تاريخ معرفة الأرض النظر والحكم على الأشياء فطرة فطر اللّه عليها الإنسان وقد نظر الإنسان في كل ما يحيط به منذ نشأته في هذا العالم فأتى بمعلومات ناقصة كملها باستقرائه واستدلاله على مر الأيام والسنين، ولم يخل الأرض من نظراته من زمان بعيد فارتأى فيها آراء يحسن بنا أن نلم بها هنا بإيجاز فنقول:
كان اليونانيون الأقدمون يعتقدون أن الأرض قرص مستدير مركزه بلادهم. وهذا القرص كان في اعتقادهم محاطا بنهر يدعونه الأقيانوس تخرج منه الشمس صباحا وتغرب فيه مساء.
وفرضوا أن هذا القرص قائم على أعمدة لا يعرف مرتكزة على أي شيء وعليه قبة دعوها الفلك تحته كواكب تسير على عجل محمولة على السحاب.
وكانوا يزعمون أن الشمس إذا غربت استقرت في سفينة من ذهب تجري بها مسرعة حتى تصل بها إلى الشرق.
وذهب بعضهم إن هذا القرص عائم على الماء كالسفينة.
ورأى بعض الناظرين منهم أن الأرض ذات شكل مكعب . وقال غيرهم بل هي على هيئة جبل شاهق ليس لقاعدته نهاية والأفلاك تدور حولها من جميع جهاتها.
وقرر آخرون بأنها جسم مسطح يحمله الهواء وهي لا تتحرك لكبر اتساعها وهذا حكمة عدم سقوطها في تيهور الفضاء.
فلما ظهرت الفلسفة اليونانية مستمدة روحها من العلم المصري القديم ونبغ سقراط وأفلاطون وأرسطو ارتقت معلومات اليونانيين على الأرض إذ أخذ هؤلاء العلماء يقررون أن الأرض كروية الشكل وإن بلادهم جزر صغير من أجزائها.
ويروى عن فيلسوفهم فيثاغورس وقد كان عائشا قبل المسيح بنحو خمسة قرون أنه قال بدوران الأرض حول الشمس فقبل الناس نظريته زمانا طويلا حتى نبغ الفلكي الإسكندري بطليموس الذي كان عائشا قبل الميلاد بنحو قرن ونصف فقرر أن الأرض وإن كانت كروية إلا أنها ساكنها غير متحركة وإن الشمس هي التي تدور حولها فراجت نظرياته هذه في العقول وبقيت شائعة سائدة حتى ظهر الفلكي البولوني الشهير( كوبرنيك) في القرن السادس عشر الميلادي فقرر رأي فيثاغورس وأيده بالأدلة الرياضية وتلقى ذلك علماء الهيئة في كل مكان وحلوا بها أكثر غوامض العلوم العلوية ولا تزال هي السائدة إلى اليوم.
وقد ورد ذكر دوران الأرض في بعض الكتب الإسلامية قبل ظهور كوبرنيك فتكلم عنها عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد المتوفي سنة(751) هـ في كتابه المواقف وتابعه شارح المواقف علي بن محمد الجرجاني المتوفي سنة(816) هـ وذكرها بهاء الدين العاملي في رسالته( تشريح الأفلاك).
كيف خلقت الأرض اختلف الناظرون قديما في كيفية خلق الأرض واستقر الرأي العلمي اليوم على أنها كانت جزءا من الشمس هي وجميع كواكب المجموعة الشمسية. وكانت الشمس كما هي الآن كتلة ملتهبة دائرة حول نفسها وحول مركز آخر بعيد جدا فتطايرت منها شظايا بسبب بعض الحوادث التي طرأت عليها فدارت على نفسها في الفراغ ودارت حول الشمس أيضا في فلك ثابت. ولما كانت أصغر من الشمس بنحو مليون وأربعمائة ألف مرة اعتراها البرود في قشرتها قبل الشمس التي يجب أن تستمر حرارتها بعد د الأرض على قدر نسبة جرمها. فلما بردت قشرتها هطلت عليها أمطار غزيرة من سحب تكونت من الأبخرة المتصاعدة منها فتكونت عليها البحيرات العظيمة والأنهار الطويلة والمحيطات البعيدة الأكناف.
ودليلهم على صحة هذا الرأي أن باطن الأرض ما يزال حارا بل مصهورا وفي حالة غليان، تدل عليه البراكين التي تثور أحيانا فتخرج من باطن الأرض مواد في غاية الحرارة بل معادن ذائبة لا تصهر إلا على درجة حرارة مرتفعة جدا.
وربما رأى لبعض عيونا نابعة من الأرض على درجة حرارة مرتفعة تقرب من الغليان وهي لم تصل إلى هذه الدرجة من الحرارة إلا لكونها آتية من أبعاد عميقة.
نهاية الأرض يقول علماء الهيئة أن الأرض يتوقع لها الفناء من ثلاثة أسباب رئيسية(1) البرودة الذاتية(2) وبرودة الشمس(3) واصطدامها بنجم ذي ذنب.
أما البرودة الذاتية فهي حادث طبيعي ذاتي طرأ على قشرتها الظاهرية لانفصالها عن الشمس وهو لا زال عاملا فيها ولا مشاحة فإن أمر الأرض سينتهي ولو بعد ألوف من السنين بالبرودة المطلقة فتتجلد بحارها وأنهارها وتصبح الجهات الواقعة في خط استوائها كالجهات الواقعة في قطبيها، فلا يستطيع أن يعيش عليها حيوان ولا نبات.
قالوا وقد كانت الأرض جهة القطبين حارة ثم طرأت عليها البرودة ولا شبهة في أن برودة القطبين آخذة في الامتداد طاردة أمامها الحيوان والنبات إلى جهات خط الاستواء.
أما السبب الثاني وهو برودة الشمس فطبيعي أيضا لأن الشمس لما كانت كتلة في حالة الالتهاب فلا يعقل أن حرارتها تدوم على طول الآماد ولا بد من طروء البرودة عليها وإذ ذاك تموت جميع العوالم الموجودة في الكواكب الدائرة حولها.
وأما السبب الثالث فعارضي لا يعرف له قانون ولا ينتظر له ميعاد. قالوا إن في مجموعنا الشمسي عددا لا يحصى من نجوم ذوات أذناب وهي كتل تختلف في الأحكام مكونة من صخور ورمال تجر وراءها ذيلا من غاز على بعد عشرات بل مئات من الكيلومترات وهذه النجوم لها مدارات مختلفة في أشكال بيضاوية مستطيلة وكثيرا ما تظهر فجأة بين الكواكب متبعة سيرا خاصا قد يؤدي أحيانا إلى حدوث مصادمة بينها وبين بعض تلك الكواكب فإذا كان المذنب صغيرا ارتج بمصادمة ذلك الكوكب فحدثت عليه أحداث تختلف باختلاف قوة تلك المصادمة، وإذا كان كبيرا تفتت به ذلك الكوكب وتطايرت شظاياه في الجو شذر مذر.
قالوا وفي السماء قطع صغيرة سابحة في الفضاء تقرب وتبعد من الأرض والكواكب الأخرى فتنجذب إليها إذا دخلت في نفوذ جاذبيتها وهي المسماة بالنيازك ولا يبعد بل يرجح أن هذه القطع هي بقايا كوكب صادمه مذنب فحطمه تحطيما.
قالوا ويرجح أن الطوفان الذي حدث في الأرض في عصر نوح ولا تزال آثاره باقية فأطغى الماء على أكثر الأرض هو نتيجة مصادمة مذنب للكرة الأرضية، فحدث من تلك المصادمة أن ارتجت الأرض واضطرب معها البحر وطغى على اليابسة.
هذذا رأي العلماء في أسباب فناء الأرض ويظهر القرآن الكريم فقد جاء في الآيات الكريمة عرض الفناء الأرض ما يشير إليه.
قال تعالى:
} إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا( أي فتت) فكانت هباء منبثا}[ الواقعة:4] ( أي منتشرا في الفضاء ( .
وقال تعالى:
} يوم تمور السماء مورا، وتسير الجبال سيرا فويل يومئذ للمكذبين}[الطور10 [.
وقال تعالى:
} فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة حملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة، فيومئذ وقعت الواقعة}[ الحاقة:14].
وقال تعالى:
} يوم تون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن ولا يسأل حميم حميما}[ المعارج:8 ـ 10].
وقال تعالى:
} يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا}[ المزمل:14].
وقال تعالى:
} فإذا النجوم طمست، وإذا السماءُ فرجت، وإذا الجبال نسفت} [ المرسلات:10].
وقال تعالى:
} وفتحت السماء فكانت أبوابا، وسيرت الجبال فكانت سرابا}[ النبأ:20].
وقال تعالى:
}إذا دكت الأرض دكا دكا}[ الفجر:21].
من هنا يتبين أن في القرآن الكريم ما يشير إلى الرأي العلمي القائل بفناءِ الأرض .
قال تعالى: { اللّه الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن اللّه على كل شيء قدير وأن اللّه قد أحاط بكل شيء خبرا}[ الطلاق:12].
قال العلامة النيسابوري في تفسير هذه الآية:
« ظاهر هذه الآية يدل على أن الأرض متعددة وأنها سبع كالسموات. فذهب بعضهم إلى أن قوله مثلهن أي في الخلق لا في العدد. وقيل هن الأقاليم السبعة والدعوة شاملة لجميعها. وقيل أنها سبع أرضين متصل بعضها ببعض. وقد حال بينهن بحار لا يمكن قطعها والدعوة لا تصل إليهم. ووقيل أنها سبع طبقات بعضها فوق بعض لا فرجة بينها، وهذا يشبه قول الحكماء، منها طبقة هي الأرض صرفة تجاور المركز، ومنها طبقة طينية تخالط سطح الماء من جانب التقعير، ومنها طبقة معدنية يتولد منها المعادن، ومنها طبقة تركبت بغيرها وقد انكشف بعضها، ومنها طبقة الأدخنة والأبخرة على اختلاف أحوالها أي طبقة الزمهرير، وقد تعد هذه الطبقات من الهواء.
وقيل إنها سبع أرضين بين كل واحدة منها إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام كما جاء في ذكر السماء وفي كل الأرض منها خلق، حتى قالوا في كل منها آدم وحواء ونوح وإبراهيم وهم يشاهدون السماء من جهة أرضهم ويشهدون الضياء إلخ».
أن الأقرب للعقل، والأكثر موافقة لمقررات العلوم الحديثة أن يكون المراد بالأرضين السبع هو القول الأخير فقد قال علماء الهيئة أن بعض كواكب مجموعنا الشمسي لا بد من أن يكون مسكونا بعوالم أن لم تكن مثلنا فهي أرقى منا لاستعداد تلك الكواكب لقبول الحياة فيها.