السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
-------------------------------
يستغرب البعض ويصعب عليه فهم سبب عداء قسم كبير من المسلمين للحضارة الغربية، ويرى في ذلك نوعا من العقدة النفسية او مظهراً للتحجر الفكري الذي يرفض التطور والرقي الذي جاءت به الحضارة الغربية ويرى فيه اصراراً على العيش على
ذكريات الماضي الذي ولى من غير رجعة, ربما يكون هذا التحليل لموقف التحفظ من الحضارة الغربية تحليلا ينطبق على شريحة من «المفكرين» المسلمين ولكن هناك ايضا شريحة اخرى تبني موقفها المتحفظ على أساس رؤية فكرية يجب على الآخرين فهمها اولا ومن ثم احترامها كوجهة نظر. وجهة النظر هذه تقول ان من المسلم به ان الحضارة الغربية انتجت الكثير من الابتكارات والاختراعات المفيدة للبشرية في شتى المجالات، وهذا الأمر لا ينكره إلا جاحد وفي هذا المجال لا مشكلة مع الغرب, المشكلة الحقيقية حسب وجهة النظر هذه تكمن في القيم التي تقوم عليها الحضارة الغربية، والتي تتعارض بشكل جذري مع قيم الحضارة الاسلامية, فالحضارة الغربية ومنذ انقلابها على الكنيسة الفاسدة التي شوهت الدين في وجدان الانسان الغربي لمدة تزيد على الألف سنة التي هي فترة العصور الوسطى جعلت من الإنسان مركزا لهذا الكون بحيث ان كل ما في الكون يجب ان يسخر لإسعاد الانسان في هذه الدنيا، في حين ان مركز النظام الكوني في الثقافة الإسلامية هو الله، بحيث ان الدنيا بالنسبة للإنسان بمثابة اختبار ومقدمة للحياة الخالدة في الآخرة. ليس من السهل التعمق في هذا الموضوع في هذا المقام لأنه يقوم على رؤية فلسفية قد يصعب على الكثير هضمها، ولكن يمكن القول ان الحضارة الغربية التي رفعت شعار الحداثة بعد نهاية العصور الوسطى حضارة تكرس كل طاقاتها لإشباع غرائز الإنسان وتهمل الجوانب الأخلاقية والروحية في حياته، وكل ذلك تم عندما اقصي الدين من حياة الإنسان بشكل جذري ولم يعد الدين يلعب إلا دورا هامشيا في حياة المجتمع. الحضارة الغربية تقوم على فكرة ان الإنسان قادر على ان يخضع الطبيعة لسيطرته ليكون بذلك سيد الكون، وهو قادر من خلال عقله ان يحل جميع مشاكله بمعزل عن مقولات الدين والقيم, لكن على الرغم من كل ما تحقق من تطور علمي وتكنولوجي لم يستطع انسان الحضارة الغربية ان يمنع الشرور في مجتمعه وما اكثرها، ولعل الحربين العالميتين اللتين هما في الحقيقة حروب غربية خير دليل على فشل هذا التفاؤل. نتيجة لفشل الرؤية الفلسفية للحداثة التي تبنتها الحضارة الغربية ظهرت معارضة لهذه الرؤية حتى من داخل الثقافة الغربية، ولعل تيار ما بعد الحداثة الممثل في فلسفة الفلاسفة دريدا وميشيل فوكو وجان فرانسوا ليونارد وهو الاتجاه الفلسفي الناقد لثقافة عصر الحداثة دليل على انه يجب ألا ننخدع بشعارات الحداثة بل لا بد ان يكون لنا موقف منها على أسس تتناسب مع ثقافتنا الإسلامية ..