اسمه "هنري روسو"، وأحد أسباب البهجة التي ستشعر بها في رسومه هي براءته الشديدة أو سذاجته على حسب كلام النقاد.
فحين ترى رسومه ستأخذك بهجة الألوان.. الألوان الصريحة التي ستشعر أمامها أنك تقف أمام لوحات رسمها طفل.. وبالطبع هذه الروح لم تلقَ التقدير الكافي في البداية من النقاد حيث سخروا من "روسو" ولم يعتبروه فنانا.. قالوا إنه يرسم كطفل بدون وعي حقيقي لما يفعله.
وقبل أن ندخل في تفاصيل أكثر، أريدكم أن تشاهدوا هذا اللوحة..
هل فهمتم الآن ما قصدته بالألوان.. هذه اللوحة حملت عنوان "دهشة" أو "نمر في العاصفة"
(Tiger in a tropical storm (Surprised وبالرغم من أن "روسو" لم يرى غابة في حياته قط، إلا أنه رسم مجموعة كبيرة من الرسومات للغابة. وهذه اللوحة في الحقيقة أول الغيث، أي أول لوحة رسمها في هذه المجموعة. لاقت اللوحة ما يكفيها من السخرية، والوحيد الذي تحدث عنها بعد أن عرضت في صالون الفنانين المستقلين بفرنسا Salon des Indépendants كان "فيليكس فالوتون" الذي نصح الزوار بمشاهدتها عند زيارتهم للمعرض.
هناك رواية واحدة –غير مؤكدة- تقول إن "روسو" قد زار الغابة بالفعل، عنما كان يؤدي خدمته العسكرية في المكسيك. لكن ما قاله حقا عن سر اهتمامه بالغابات أنه أتى من الكتب المصورة ومن حدائق النباتات المشهورة بفرنسا، التي قال عنها الناقد الفرنسي "آرسين ألكساندر": "عندما أدخل في الصوبات الزجاجية وأرى النباتات الغريبة التي تأتي من البلاد البعيدة، يبدو الأمر لي وكأنني دخلت إلى حلم".
هذه لوحات أخرى مستوحاة من الغابات
في لوحات الغابات، استخدم "هنري روسو" نحو 50 درجة من درجات اللون الأخضر، وبالرغم من أن رسوماته مستوحاة من الطبيعة إلا أن هناك بعض التعديلات التي أضافها على الرسم؛ مثل تغيير ألوان بعض النباتات لتحقيق روئيته الفنية الخاصة.
ولا يمكننا الحديث عن "روسو" دون أن نتحدث عن لوحة النمر مرة أخرى، وكي لا ننساها، ها هي مرة أخرى:
بخلاف عبقرية الألوان، وطول البال في رسم كل التفاصيل الموجودة في اللوحة، إلا أن هناك تفصيلة معينة مدحها النقاد واعتبروها إضافة حقيقية لـ"روسو" في الرسم، وهي المطر. الأسلوب الذي رسم به "روسو" المطر كان حداثيا بالنسبة لهذه الفترة –اللوحة رسمت في عام 1891 بالمناسبة- و"روسو" استخدم خيوطا رمادية مائلة، لها لمعة أو مضاف عليها نوع من أنوع الورنيش لرسم المطر.
لم يرسم "روسو" النباتات والحيوانات فقط، بل رسم بعض اللوحات للمدينة وللأطفال. وهو الذي بدأ ما يطلق عليه باسم بورترية الطبيعة portrait landscape وهي اللوحات التي تكون الطبيعة فيها البطل، والأشخاص مجرد ديكور، وليس العكس، مثل هذه اللوحة:
أما بالنسبة للبورتريهات، فلا أدري لماذا تذكرت عبارة "اللمبي" عن "التشرد الأطفالي"(!) عندما رأيتها، فأطفال "روسو" ليسوا حقا أطفال. وإن لم تصدقوني، انظروا لهذه اللوحة:
الطفل في هذه اللوحة يشبه الوحش الضخم.. وحش يمسك بيده دمية ماريونيت كبيرة، وما هي إلا رجل (قد يكون أبا الطفل مثلا). الطفل الذي يرسمه "روسو" طفل متسلط ومتحكم في الكبار ومستقل وعنيف وليس بريئا بالمرة! هذا بخلاف الخلفية الغرائبية غير محددة المعالم التي وراءه، والتي تجعلنا نتوقع وجوده في كل مكان وتدفعنا للتساؤل: من هذا الطفل حقا؟ وفي اللوحة التالية، عندما ندقق في ملامح الطفل، نجد ملامح رجل لكنه يرتدي ملابس الأطفال..
هل تلمحون ظلال لحية وشارب؟ على كل حال، وأيا كان قصد "روسو"، فإن لوحات الأطفال هذه مخيفة.. لا أدري.. بها ما يقبض القلب حقا.. هل هي الألوان الداكنة؟ هل الملامح العابسة؟ هل نتيجة لتركيبة المسخ هذه (جسم طفل ووجه رجل) إذا عرفتم أخبروني!
منقول