في مقعد مريح داخل طائرة يجلس الحاج ليجد نفسه
بعد ساعات قليلة داخل الأراضي الحجازية.
هذا ما يحدث إذا كان الحاج من الأثرياء، أما إذا كان
من متوسطي أو محدودي الإمكانات المادية فإن السفر
البري هو وسيلته لتستغرق الرحلة حينئذٍ أياما. هذا هو الحاضر
ولكن إذا رجعنا إلى الماضي فسنجد تفاصيل مثيرة
لتلك الرحلة، والتي كانت تستغرق شهورًا على ظهور الإبل.
المحمل المصرى
كان الإعداد لرحلة الحج بمصر يأخذ طابعًا خاصًا، ربما لأن مصر هي
التي كانت آنذاك تحوز شرف إعداد كسوة الكعبة، وإرسالها إلى
الأراضي المقدسة مع قافلة الحجيج على هودج يتقدم القافلة
يُعرف باسم "المحمل"، وكان يُعين له أمير يسمى "أمير المحمل"
، يكون من كبار أفراد الدولة، ويُعهد إليه بقيادة قافلة الحجاج إلى مكة،
وتأمين عودتها وتوفير الحراسة الكافية لها، والإشراف على تجهيزها
من الجمال والبغال والخيام، وسائر الاحتياجات واللوازم الضرورية
في أثناء الرحلة. وكان من اختصاصه تحصيل ضريبة من التجار
والموسرين لتغطية نفقات تصنيع الكسوة وتجهيز أموال
ويُرجع أغلب المؤرخين بداية إرسال المحمل إلى السلطان
ركن الدين "بيبرس البندقداري" ملك مصر سنة 670هـ. إلا
أن السير الشعبية ربطت بدايات المحمل بعهد سلطانة مصر
"شجرة الدر" آخر حكام الدولة الأيوبية، إذ قيل إنها سافرت لأداء
مناسك الحج في هودج على ظهر جمل مع قافلة الحجاج،
وزينته بخمائل الحرير والتطريز البديع ورصعته بالأحجار الكريمة،
وحملت معها الهدايا والستائر للكعبة والحجرة الشريفة. ولكن
هذه السير ليس لها أيُ سندٍ تاريخي بل إن كثيرًا من المؤرخين
استبعدوا ذلك، وقالوا إن هذه السير تهدف إلى تزيين الوجه
القبيح لتلك الملكة التي شهرت القباقيب في وجوه من نافسوها
على عرش مصر، فلا هي كانت متدينة، ولا كان تخاف
الله في شؤون حكمها مع الرعية.
وبعيدًا عن هذا الاختلاف فإن المحمل ظل أحد مظاهر
الحج في مصر، وذلك حتى قيام ثورة يوليو 1952 التي قررت إلغاءه.
الاحتفال بكسوة الكعبة
الصناع المتخصصون عاكفون على تطريز كسوة الكعبة الشريفة-1921م
وللمحمل مظاهر احتفالية جميلة، أبرزُها الاحتفال بكسوة الكعبة،
وهو الاحتفال الذي كان يسبق سفره إلى الأراضي المقدسة،
حيث يُقام حفلٌ رسمي كبير في ميدان "الرميلة" بالقرب من القلعة،
ويحرص على مشاهدته جميع سكان القاهرة وزوارها من الأقاليم،
المحمل.. وظائف شاغرة
وبعد الاحتفال بكسوة الكعبة يبدأ أمير المحمل في تجهيز
قافلة الحج والمحمل والتي يشارك بها الحجاج الذين يفِدون إلى
مصر من بلدان شمال إفريقيا وتركيا، حيث كان يخصص لهم
معسكر خارج القاهرة لحين موعد خروج المحمل. ويضم المحم
كسوة الكعبة الجديدة والصرة الشريفة، وأمتعة أمير الحج وطعام
القافلة، وقرب المياه التي كان يخصص لها عادة ما يقرب من نصف
عدد جمال القافلة، البالغ عددهم في الأغلب 500 جمل. وكان يخصص
للمحمل أموال طائلة، وصلت في عصر الدولة الفاطمية إلى مائة
ألف وعشرين ألف دينار، وذلك على حد قول المقريزي
في كتابه "كتاب السلوك".
وظل هذا الاهتمام حتى العصر المملوكي، بدليل أن السلطان
المملوكي الصالح "عماد الدين بن الناصر محمد بن قلاوون"
أمر سنة 747 هجرية -على الرغم من الغلاء الفاحش وقتها
وندرة مياه النيل- بتجهيز ركب المحمل بمبلغ وصل إلى 40 ألف دينار.
وامتد هذا الاهتمام بتجهيز المحمل حتى فترة حكم "محمد علي"
وأسرته، حيث يشير كتاب "المحمل" -لإبراهيم حلمي- إلى أن
الملك "فؤاد" الأول جهز المحمل عام 1344هـ "1926م"
بمبلغ 47 ألف و569 جنيهًا، منها 31 ألف جنيه بدل القمح،
و7 آلاف جنيه أجور للجمال المصاحبة لركب المحمل المصري وقتها.
وكانت يُخصَصُ جزءٌ من هذه المبالغ الضخمة كرواتب لموظفي
المحمل، إذ كان به 42 وظيفة، منها أمير المحمل الذي
يقوده للأراضي المقدسة، و"دُوادار أمير الحج" الذي يقدم
الدواة لأمير الحج عند توقيع الإمضاءات، ورئيس حرس المحمل
المسؤول عن حماية القافلة، و"قاضي المحمل" الذي يحكم بين
د الحجيج في المنازعات التي قد تنشأ بينهم، و"أمين الصرة المشرفة"
المسؤول عن رعاية الجمال، و"البَيْرَقْدارية" وهم حمَلة
الأعلام المميزة للمحمل، و"مشرف التموين للمحمل" الذي يتولى
شؤون التموين، و"مشرف المطبخ" المسؤول عن الذبائح وتفرقة
مخصصات الطعام، و"مشرف السقائين" الذي يقوم بتوزيع
المياه على الحجاج، و"الطبيب" لعلاج المرضى، و"البيطار
" لعلاج الجمال، و"الخباز" لتوزيع الخبز بعد عمله على القائمين
على شؤون المحمل، و"مبشر الحاج" المسئول عن التبليغ قبل
عودة المحمل للبلاد عن أحوال الحجاج وما حدث بشأنهم من
سرقات أو قطع طريق أو وفاة، ويصل عادةً قبل القافلة بأربعة
أيام راكبًا هجينًا سريعًا.
وهكذا يتضح أن نظام المحمل المصري كان نظامًا دقيقًا
في تكوينه وتقسيمه فقد كان أشبه بجيش عسكري في وقته
وصرامة نظامه، لأنه رمزٌ لعظمة وهيبة السلطان، وسفيرٌ فوق العادة،
يمثل مصر في مكة وقت الحج، حيث يجتمع المسلمون من كل مكان.
إلى بلاد الأشواق
وفي اليوم السابع والعشرين من شهر شوال يبدأ
سفر المحمل بعد تجهيزه واختيار موظفيه. ويُقام لذلك احتفالٌ
يحضرُه الباشا الوالي والقضاة وكبار رجال الدولة وتدق الطبول
والموسيقى ويكون وصول المحمل إلى المعسكر الذي يتجمع
فيه الحجاج المصريون مع أقرانهم من بلدان شمال إفريقيا وتركيا
خارج القاهرة، هو إيذانٌ ببدء الرحلة المقدسة. وفي البداية كان
المحمل يسافر إلى "السويس"، ثم إلى "قلعة النخل"
وسط سيناء، ثم "العقبة"، وبعد ذلك يتجه جنوبًا ويسير
بحذاء البحر حتى "ينبع" ثم إلى مكة.
وأخذ الحجاج فيما بعد يسلكون طريقًا آخر، فكانوا يسافرون
بالمراكب في النيل من "الفسطاط" إلى مدينة "قوص"،
ثم يعبرون الصحراء إلى قرية "عيذاب" على ساحل البحر الأحمر،
ثم يركبون السفن إلى "جدة".
وكان الحجاج يتعرضون للأهوال في عبور البحر الأحمر،
وكانت السفن تغرق بهم أو تجنح إلى سواحل الحجاز؛ فيتعرضون
للسلب والنهب من عشائر العُربان. وكانت السلطة في الماضي
تخصص الحراسة المسلحة لقوافل الحجاج والتجارة، لصد هجمات
عشائر العربان الذين يعيشون على السلب والنهب في الصحراء.
ويحكي لنا الجبرتي بأسلوبه الخاص عن واحدة من حوادث النهب
فيقول: (إنه في يوم 11 صفر سنة 1201هـ الموافق 1786م، نزل
الحجاج ودخلوا مصر وهم في أسوأ حال من الجوع والعري ونهب
جميع أحمال أمير الحج وأحمال التجار، وأسر العربان جميع النساء
وكان أمرًا شنيعًا جدًا، واستغاث الحجاج بأحمد باشا الجزار أمير الحج
الشامي، الذي تكلم مع العرب في النساء فأحضروهن عرايا وليس
عليهن إلا القمصان، وأجلسوهن جميعًا فكل من وجد امرأته
أو أخته أو أمه أو بنته اشتراها ممن في أسره).
العَودُ الأحمد
وفي شهر صفر يعود المحمل وقافلة الحجاج، ولا تقل الفرحة
والبهجة بعودة المحمل والحجاج سالمين عن يوم السفر من قبل،
وتدخل قافلة المحمل والحجاج مدينة القاهرة من باب النصر،
بينما تطلق مدافع القلعة اثنتيْ عشرةَ طلقة تحية لعودة المحمل،
دوتزدحم الشوارع بالناس الذين يحرصون على الاقتراب من المحمل
ولمسِهِ ثلاث مرات، ثم تقبيل أيديهم ومسح وجوههم تبركًا.
ويقوم أهل الحجاج العائدين بتزين واجهات المنازل بالرسوم والأعلام
الملونة، واستقبال الحجاج بالطبول والمزامير والزغاريد، وإقامة
الولائم ابتهاجًا بعودة الحجاج سالمين.
لم يكن المحمل المصري فقط هو الذي يحل ضيفا على
"أُم القُرى" مكة وقت الحج، بل كانت تستضيف محامل أخرى
من الكثير من البلدان العربية. صحيحٌ أن هذه المحامل لم تكن
في شهرة المحمل المصري الذي يحمل كسوة الكعبة المشرفة،
ولكنها على أي حال تمثل أحد معالم ظاهرة المحمل، وبالتالي
لا يمكن أن نتناول تلك الظاهرة دون إلقاء الضوء على تلك المحامل،
التي منها العراقي واليمني والمغربي.
المحمل العراقي
وقد يكون من الملائم أن تكون بدايتنا
في هذا الموضوع بالمحمل العراقي؛ فهو الأشهر بين تلك المحامل،
ربما لأنه يختلف بكونه المحمل الوحيد الذي خاصم "أُم القُرى"
لمدة عشرين سنة لم يحج فيها أحدٌ إلى البيت، وذلك بعد الحادثة
التي وقعت للمحمل العراقي سنة 318 هـ، أي بعد 186 عامًا
من بدايته سنة 132 هجرية، وهو أول عام حج فيه بنو العباس
بعدما آل أمر الخلافة الإسلامية إليهم وأفل نجم دولة بني أمية.
وقد كان القرامطة الخوارج هم بطل هذه الحادثة، فقد هجموا
على حُجّاج المحمل العراقي وقتلوا الحُجاج عن آخرهم، وطرحوا
الثقلاء ببئر "زمزم" حتى امتلأت بهم، ثم دخلوا إلى البيت الشريف
وأخذوا ما كان فيه من القناديل الذهبية والفضية، وقلعوا باب الكعبة
الشريفة، وقاموا بتعرية الكعبة ونزع الكسوة عنها.
ولم تكن تلك الحادثة فقط هي أشهر ما يميز المحملَ العراقي؛
فقد اشتهر بحادثة أخرى تكاد تنافس الحادثة الأولى، بل ربما
تتفوق عليها. ففي عام 730 هجرية فوجئ أهلُ مكة بأن المحمل
العراقي قد استعان بدلاً من الجمل بفيل، ركِبه أمير المحمل
العراقي في أداء المناسك كلها، وسار به بعد ذلك إلى "المدينة".
إلا أن الفيل أبى أن يدخل "المدينة"، فكان كلما أُكرِهَ أن يتقدم إلى
المدينة تأخر إلى الوراء، وظلوا يضربونه ويتأخر إلى أن سقط ميتًا
في يوم الأحد، الرابع عشر من ذي الحجة. ويقال إن المصروف
على هذا الفيل من وقت خروجه من العراق إلى أن هلك بلغ أكثر
من ثلاثين ألف درهم! ولم يستطع أحدٌ أن يفسر مقصد ملك العراق
حينذاك "أبي سعيد بن خربندا" في بعثة الفيل إلى مكة المشرفة.