قديم 09-28-2006, 11:22 AM   #1 (permalink)
عضو فعال
 

افتراضي الطريق إلى معرفة الله

الموت هو النهاية المحتومة التي تنتظر الجميع ، ولكن الإنسان غالباً ما يغفل عنها ، ولو زار هذا الإنسان المقابر ورأى الحفر المتراصة التي يرقد فيها العشرات بل المئات من بني جنسه ، ولو أجال النظر في المغتسل ورأى كيف تقلب أجساد الموتى بين الأيدي ، وكيف يعتصر الألم قلوب الآخرين الذين يتمنون في تلك اللحظات لو يستطيعوا رد أحبائهم إلى الحياة ...

لو انتبه الإنسان إلى كل ذلك لأدرك بشكل عملي أنه هو الآخر لا بد وأن يصل إلى هذه النهاية الحتمية .

وإذا كان الأمر كذلك فما الذي ينبغي أن نفعله ؟

إن كل شيء في الحياة لا يمكن أن يعرف حق معرفته إلا إذا عرفنا نهاية ذلك ، لأن بداية كثير من الأشياء حسنة ولكن نهايتها سيئة ؛ وإذا لم نعـرف النهاية فكيف يكون بإمكان الإنسان أن يشرع في البداية ؟

ولذلك لا مناص لنا من أن ندرس الحياة بجميع جوانبها من منظار نهايتها المتمثلة في الموت الذي ما بعده أدهى وأعظم ، إذ أن الحساب عسير والناقد بصير والجزاء شديد وخالد لا نهاية له أبدا .


ومن الحقائق المرتبطة بمرحلة ما بعد الموت وهي - الحقائق الخافية على الكثير من الناس - العلاقة التي ستربطنا بالله - سبحانه وتعالى - في هذه المرحلة .



فهناك من يزعم أن الروح بمجرد أن تفارق البدن فإن الحقائق ستتكشف للإنسان ويتصل علمـه بالغيب فيعرف ظاهر الأشيـاء وباطنها ، وبالطبع فان المسألة ليست بهذه السهولة ؛ فمعرفة الإنسان بالله - جل وعلا - والغيب وبالتالي معرفته بالحياة في الآخرة تكون بمقدار معرفته في الدنيا ، فمن يموت جاهلا بربه يبقى على جهله هذا وإن انتقل إلى الآخرة فسوف يكون محجوبا عن خالقه ، وممنوعا عليه التحدث معه بل وحتى دعاؤه وطلب الحاجات منه ، وبالعكس فمن مات وهو على معرفة من ربه فإنه سيرى كل شيء على حقيقته أي ليس هناك ما يحجبه من الحقائق .



معرفة الله أعظم النعم :

ولذلك فإن من أعظم النعم الإلهية التي يتمتع بها الإنسان في الدنيا أنه فسح المجال أمامه لمعرفة خالقه ، ومن سلبت منه هذه النعمة فإنه سيحرم من نعمة عظيمة لا يمكن أن تعوض عنها نعمة أخرى ،ولذلك قيل : " معرفة الله سبحانه أعلى المعارف " .


وحتى في الآخرة تبقى هذه النعمة محتفظة بمستواها من العظمة ، لأن نعمة المعرفة هي غذاء الروح والحاجة التي تستشعرها النفس دائما ، فالمؤمنون لا يجدون لذة أعظم من لذة المناجاة ، ولا حلاوة أحلى من حلاوة الاتصال الروحي بين قلوبهم وبين أنوار القدس الإلهية ، لذلك تراهـم يبادرون إلى العبادة والتبتل والمناجاة ليـلا والناس نيام .


ولذلك فإن علينا أن لا نفوت هذه اللذة العظيمة ؛ فلو اتصل قلب الواحد منا ولو لمدة ساعة بنور ربه وأضيء بشعاع معرفة الله - عز وجل - لكفت هذه الساعة حاجة الإنسان إلى الاتصال بالله في العمر كله .



كيف نعرف اللـه :

مثل هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إلا بعد أن تتساقط ذنوب الإنسان ، لأن هذه الذنوب تفصل بين القلب والرب ، فإذا زالت اتصل القلب بخالقه ، فمن وجد نفسه منشغلا عن ذكر الله بالدنيا فليعلم أن الذنوب هي التي تحجبه وتمنعه من إقامة هذا الاتصال ، وبالتالي فإن عليه في هذه الحالة أن يتوسل إلى خالقه وبارئه لأن يعينه على إسقاط تلك الحجب ، وحينئذ سيستنير القلب بنور الإيمان ، وسيشتاق دوما إلى لقاء الله .


وهكذا فإن الإنسان إذا فقد المعرفة بالله - جل وعلا - في الدنيا إلى أن جاءه الأجل المحتوم فعليه أن ييأس من معرفة الله في الآخرة ، وهذا يعني أنه سيدخل الجحيم - والعياذ بالله - لأن الجنة هي دار ضيافة الله ، ولا يمكن أن يدخل هذه الدار إلا من كان عارفا به - سبحانه - .


والنتيجة الطبيعية لعدم معرفة الله هي البعد عنه ؛ فمن نسي نفسه لا بد أن ينساه الله كما يقول القرآن الكريم : { قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى } (طه/125-126) ، ومع أن الله - تعالى - لا ينسب إليه النسيان إلا أن الإنسان الذي يلقى في نار جهنم يكون حكمه حكم من نسي .


وعلى هذا الأساس فإن النعمة الكبرى التي نحصل عليها في هذه الدنيا هي معرفة الله ، فنحن لدينا إله عزيز رحيم هو أنيس المحبين وقادر مقتدر ، ولكنه - تعالى - مع ذلك سينسانا إن نحن نسيناه في الدنيا .

ومع ذلك فإن الله يتجلى إلى قلوبنا بين الفترة والأخرى ويدعونا إلى نفسه ، وعلى سبيل المثال فعند الدعاء يتجلى الله - سبحانه وتعالى - لعبده ويطلب منه أن يأتيه ويناجيه .



معرفة الله في القرآن الكريم :

والآيات التالية من سورة الأنبياء هي دعوة إلى الله من خلال آياته في الكون حيث يقول - عز وجل - في هذه الآيات المباركة : { أَوَ لـَمْ يـَرَ الَّذِيــنَ كَفــَرُوا أَنَّ السَّمــَاوَاتِ والأرض كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُـمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السماء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ * وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفإِيْن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ * خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَـن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُســُلٍ مِــن قَبْلِكَ فَحَـاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُون } (الانبياءِ/30-41)

منشأ الحياة :

فيما يتعلق بالآية الأولى من الآيات السابقة فقد أكدت الأبحاث العلمية الحديثة على أن الكواكب والمجرات والمنظومات وكل الوجــود كان في يوم من الأيام كتلة متراصة ومتداخلة حجمها اقل مـن حجـم الفضـاء بملايين المرات ،

فكانت - حسب تعبير القرآن الكريم - رتقا أي متصلة ببعضها البعض ، ثم حدث لها انفجار قبل آلاف الملايين من السنين ، وربما توحي الآية الكريمة التي تقول : { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء } (هود/7) بأن المادة الأصلية لهذا الكون شبيهة بالماء .

والملاحظ أن كل شيء في هذا الوجود يكون متصلا بشيء آخر في بداية أمره ثم ينفصل ، وحتى الإنسان فإنه كان متصلا بوالديه ثم انفصل عنهما بالولادة ، وهذه هي سنة الحياة .



الجبال تحفظ الأرض :

ثم يقول - تعالى - عارضا لنا آية أخرى من آيات عظمته في الكون : { وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ } أن أرضنا هذه مشبعة بسلسلة من الصخور تمتد الجبال فيها من تحت الأرض لتتصل ببعضها البعض ، ولـو لم يكن ترتيب الجبال بهذه الصورة لكان بإمكان الرياح العاصفة أن تحرك وتهز الأرض بشكل مستمر ، ولكثرت الزلازل والهزات ، وبناء على ذلك فان الجبال وامتداداتها في باطن الأرض هي بمثابة الدروع التي تحفظ الأرض من الميلان والتحرك والاهتزاز .


ولقد حدد علم الجغرافيا والجيولوجيا مواقع الجبال على الأرض ، وأثبت أنها مواقع دقيقة جدا ؛ فلو أن جبال الألب - مثلا - أزيحت من مكانها إلى اندونيسيا ، أو نقلت قمة (افرست) إلى مكان آخر ، أو تحركت جبال الهملايا إلى بلد آخر غير الهند لتغيرت كل الأرض وسادتها الفوضى ولهزتها الزلازل بصورة مستمرة .


ثم يستأنف - عز وجل - قائلا : { وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} ، فلو أن الله - تعالى - كان قد جعـل الجبال كجدران السجون لأصبح من غير الممكن التنقل بين مناطق الأرض المختلفة ، ولكنه - جلت قدرته - خلقها بحيث فصل بينها بوديان ، وجعل فيما بينها فجاجا وطرقا على الإنسان أن يهتدي إلى ربه من خلال هذه الآيات العظيمة .



السماء سقف محفوظ :

ويستعرض لنا القرآن الكريم آية أخرى من آيات الخلق والإبداع فيقول : { وَجَعَلْنَا السماء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ } ، فالغلاف الغازي الذي يحفظ الأرض من ملايين الشهب والنيازك المتجهـة كل يـوم إلى الأرض ، هو الذي يقي الأرض من تلك القذائف ومن الأمواج والأشعة الخطيرة التي من شأنها أن تبيد وتفني الحياة أن هي وصلت إلى الأرض .


فإلى متى اللهو واللعب ، والى متى عدم الشعور بالمسؤولية ؟

إن الآيات السابقة جاءت في إطار الحديث عن المسؤولية ، وأن الحياة حق ، وأن كل شيء فيها يحقق هدفا محددا ويتحرك وفق ميزان . فاللهو لا يوجد في الكون لان الدقـة والهدفية هما اللتان تسودانـه كما يقول - عز وجل - : { لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَتَّخِذَ لَهواً لاَتَّخَذْنَاهُ مِن لَدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ } (الانبياءِ/17)


فمن جملة ما بينه القرآن في هذه الآيات انه قد حدثنا عن ظاهرة الاستهزاء بالحقائق لدى الإنسان وذلك في قوله - تعالى - : { وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِــذُونَكَ إِلاَّ هــُزُواً أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ } .
والله - سبحانه وتعالى - يحذر الإنسان بشدة من هذه الصفة السلبية وينهاه عن الاستهزاء بالحقائق ، فحتى الجرثومة الصغيرة التي يستهزئ الإنسان بها كفيلة بالقضاء عليه ، والمرض البسيط الذي قد يستصغره الإنسان من الممكن أن يتعاظم ويتنامى حتى يتحول إلى وبال عليه .


إن الحياة مليئة بالحقائق الدالة على عظمة وقدرة الخالق - تعالى - ، وقد استعرض القرآن الكريم جوانب منها في الأرض وفي السماء ، بغية أن يقف الإنسان إجلالا لخالقها فيؤمن به ، ويجعل منها أهدافا لتحركه وسعيه في هذه الأرض .



خلق الإنسان من عجل :

ثم يقول - عز من قائل - مشيرا إلى طبيعة الإنسان الميالة إلى الجهل والعجلة وسرعة إصدار الأحكام دون تأمل وتريث : { خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ } فمن طبيعة الإنسان الجهل ، والجهل بدوره يدعو إلى العجلة ، ذلك لأن الإنسان العارف ينظر إلى المستقبل في حين أن الإنسان الجاهل لا يرى إلا لحظته التي يعيش فيها ، ولذلك ترى الإنسان الكافر يستعجل العذاب على نفسه قائلا : { وَيَقـُولُونَ مَتـَى هَذَا الْوَعـْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفــُونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهـِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ }

إن جميع الآيات القرآنية السابقة موجهة إلينا بالأساس ، وهي تمسنا قبل أن تمس غيرنا ، فلنسع من أجل تطبيقها ، ولنكن أكثر جدية في الحياة ، ليتسنى لنا الحصول على نعمة معرفة الله في الدنيا قبل الآخرة .



ونواصل الحديث في رسالة أخرى بمشيئة الله تعالى

ملاحظة مهمة جداً :

هذه المواضيع الهدف منها بناء الإيمان الصحيح الراسخ

فينبغي قراءتها بعناية وعلى مهل

أسير_الحرمان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 



أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 06:01 PM.


LinkBacks Enabled by vBSEO 3.1.0

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42