| حوار مع رجل الحوار ليسمح لنا رجل الحوار بالحوار.
فأوضاعنا بكاملها تستدعي الشفقة. ولا نظن ان اسرائيل قد خططت لنصل الى هذا الدرك من التفكك والانشقاق والخلاف. لقد ظفرت به بلا عناءٍ يذكر.
العرب اليوم أمّة معتلة, كما لو انها متواطئة مع الموت. ولبنان الذي يزعم انه اتحد في 14 آذار, وعاد ليؤكد اتحاده في 14 كانون الاول, ما زالت قياداته المتنوعة والمتلونة تنفخ في النار, غير مدركة حجم الحريق الذي يمكن ان تتسبب به كمية الأخطاء التي تنجزها يوميا, بعد ان فقدت التصريحات السياسية آدابها والاتهامات ادلتها.
هل يمكن في هذه الاجواء المتشابكة, وفي هذا التحضير المتبادل للاشتباكات, ان يكون هناك حوار ومتحاورون؟
واذا وجدنا الموضوع, فمن اين نأتي بالموضوعيين؟!
من العبث ان نعقد حواراً بين مصابين بالأمراض العصبية العصية.
لكن لا بأس من محاولة الرئيس نبيه بري, عساه ينجح في ترويض الغرائز الفالتة من عقالها وعقلها. فهو الوحيد الذي يحافظ على سلوك الوحدة الوطنية ولغتها, في حين استغل الآخرون اللغة لتغطية سلوك الهدم والردم.
ولكن لا نريد لرجل الحوار, وهو يحمل مسؤولية تخليص الوطن من الانقسامات المذهبية والحرائق الاهلية, ويحمي الانتماء العربي للبنان من نمو الاحقاد بين اللبنانيين والسوريين, ان يبدأ حواره بمكيالين.
من واجبات اللبنانيين عموماً, والرئيس بري خصوصاً, ان يكون غياب الإمام موسى الصدر شاغلهم الذي يجب ألا يغيب, وألا نمضي في تغييب الحقيقة عند البحث عن تغييب الإمام.
وإذا كان القضاء الايطالي قد تولّى عنا جميعاً كشف نصف الحقيقة, فإن الحقيقة الكاملة لا يمكن ان تنجز بتغليب الشك على اليقين.
ان المسارعة الى اتهام القضاء الايطالي بالارتشاء والفساد, ورفض احكامه, لمجرد انها برأت ليبيا من تهمة, لم يقدم متهموها دافعاً واحداً يبرر إقدامها على الخطف والإخفاء, هو موقف فيه الكثير من التجني على الحقيقة لصالح الرغبة في الاتهام.
لماذا هذه العجلة بالطعن في الحكم الايطالي, الذي اقر بدخول الإمام ورفيقيه الى ايطاليا ووقوع جرم الإخفاء في عاصمتها روما؟.
ولماذا يتحول التحقيق المستند الى الشهادات والوقائع الى باطل, ويبقى الشك المفتقد الى الأدلة والمفتقر الى المبررات حقيقة؟.
إذا كان حكم القضاء الايطالي لا يلغي اتهام ليبيا, فبأي منطق قانوني وعقلاني يلغي اتهام ليبيا حكماً قضائياً؟!
اقل ما يفرضه الحرص على كشف الحقيقة هو العمل على خطين. خط روما المُقِرّ والمعترف, وخط طرابلس الناكر والمستنكر.
ترى هل تخدم مواقف «العنزة ولو طارت» فتح الطريق لمعرفة مصير الإمام ورفيقيه؟.
هل يمكن ان نمسح الشكوك القوية ونكتفي بالشك الأضعف؟.
هل نسينا انه إمام الثوار والمعرفة الذي حمل على كتفيه مآسي المحرومين؟.
وأنه الثائر الذي ألهب المشاعر واستنفرها ضد اسرائيل والولايات المتحدة وشاه ايران وبدايات الانحراف في القيادة الفلسطينية؟.
بتاريخه ومواقفه, نستطيع ان نقرأ قائمة طويلة بالجهات التي تحمل عداوة شديدة للإمام السيد. ولا ندري اي هذه العداوات أشد شراسة.
هل هو شاه ايران, الذي كان يومها على حافة السقوط امام ثورة الخميني, التي كان الصدر جزءاً اساسياً من فكرها واركانها؟.
هل هي اسرائيل المرتعبة من تأسيسه لأفواج المقاومة اللبنانية؟.
هل هي قيادات فلسطينية, كانت تخشى ان يذوب نفوذها في الجنوب والبقاع امام مد الإمام وامتداد فكره وثورته؟.
هل هي الولايات المتحدة, التي تجد في كل هؤلاء حليفاً واحداً, يهددهم جميعآً الإمام الواحد؟.
هل هو صدام حسين, الذي كان يخشى اجتياح ثورة الخميني لايران؟.
اول مبادئ الحوار, ان نحاور انفسنا, عندما تتجاذبنا الافكار المتناقضة, كي لا نقع في التناقض.
الحوار مسؤولية كاملة ونسق متكامل.
ومع ذلك نتمنى للرئيس الحواري ان ينجح هنا, حتى ولو قرر رفض الحوار هناك, متمسكاً بلغة الشك, في قضية لا نشك في انها تستحق جهداً واقعياً بعيداً عن الوهم والاتهام.
منقولة عن صحيفة الكفاح العربي بقلم وليد حسين |