فتنة خلق القرآن.....الجزء الأخير [align=center]توفي المعتصم ،واستخلف من بعده الواثق ،فاتصل به علماء السوء ،ابن أبي دؤاد وغيره ،وحرضوه على أن يحمل الناس على القول بخلق القرآن ،وفعلاً أعاد المحنة مرة أخرى والعياذ بالله ،إلا أنه لم يتعرض للإمام أحمد ،لكنه كتب إليه ألا تساكنني في بلد ،فاختفى الإمام أحمد رحمه الله تعالى مدة خلافة الواثق ،وهي خمس سنوات تقريباً ،وفي آخر خلافة الواثق منّ الله عليه بالهداية فرجع عن القول بخلق القرآن ،وسبب هداية الواثق ،أن من جملة ما يجاء بالناس مقيدين بالأغلال ،فيدخلون عليه ،ويجبرهم على القول بخلق القرآن ،فإن قالوا وإلا قتلهم ،والعياذ بالله.
فجيء ذلك اليوم برجل مقيد بالأغلال ،فعندما دخل عليه سلم ،وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال: لا سلمك الله ،ولا عليك سلام الله ،فقال له الرجل: إن الذي أدبك ما أحسن تأديبك ويشير إلى ابن أبي دؤاد لأنه هو شيخه ،وكان عنده حاضراً ،وقال الرجل: إن الله تعالى يقول: ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) وأنت ما حييتني بمثلها ولا بأحسن منها ،فتعجب الخليفة ،وأمر ابن أبي دؤاد أن يناظر الرجل ،فقال له ابن أبي دؤاد: ما تقول في القرآن ،قال الرجل ،ما أنصفتني أنا الذي أبدأ بالسؤال ،فقال الخليفة: دعه يسأل فسأل ،فقال الرجل ،ما تقول أنت في القرآن يا ابن أبي دؤاد ،قال إنني أقول إن القرآن مخلوق ،فقال له الرجل: مقالتك هذه التي حملت الناس والخلفاء عليها ،هل قالها رسول الله وأبي بكر وعمر أم لم يقولوها؟ فقال ابن أبي دؤاد ،ما قالوها ،فقال له هل كانوا جاهلين بذلك أم عالمين؟ قال: كانوا جاهلين بها. فقال الرجل: شيء يجهله رسول الله وأبي بكر وعمر ،ويعلمه ابن أبي دؤاد،فقال: لا، بل كانوا عالمين ،فقال الرجل: هل وسعهم أن يسكتوا أم أنهم حملوا الناس على ما حملتهم عليه ،فقال: لا بل سكتوا ،فقال الرجل: شيء وسع الرسول وأبا بكر وعمر ما وسعك أنت.
فسكت ابن أبي دؤاد ،فقال الواثق ،اصرفوا الرجل ،ولم يأمر بقتله ،فاختلى بنفسه الواثق وصار يفكر ويردد قول الرجل ،شيء وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر ما وسعك أنت ،ثم خرج وأمر بإطلاق سراح الرجل ،ورجع عن القول بخلق القرآن.
وفي رواية :
حكى المسعودي عن علي بن صالح قال : (( حضرت يوم من الأيام جلوس المهتدي للمظالم ، فرأيت من سهولة الوصول ونفوذ الكتب عنه إلى النواحي ، فيما يتظلم به إليه – ما استحسنته ، فأقبلت أرمُقه ببصري إذا نظر في القصص ، فإذا رفع طرفه إلي أطرقت ، فكأنه علِم ما في نفسي . فقال لي : يا صالح أحسب أن في نفسك شيئاً تحب أن تذكره . قال : قلت : نعم يا أمير المؤمنين . فأمسك ، فلما فرغ من جلوسه أمر أن لا أبرح ، ونهض ، فجلست جلوساً طويلاً ، فقمت إليه ، وهو على حصير الصلاة ، فقال لي: أتحدثني بما في نفسك ، أم أحدثك ؟ فقلت : بل هو من أمير المؤمنين أحسن . فقال : كأني بك وقد استحسنت مِن مجلسنا . فقلت : أي خليفة خليفتنا ، إن لم يكن يقول بقول أبيه ، من القول بخلق القرآن ! فقال – أي الخليفة - : قد كنت على ذلك برهة من الدهر ، حتى أُقدِم عَلَى الواثق شيخ من أهل الفقه والحديث من ((أذنه)) من الثغر الشامي ، مقيداً طوالاً ، حسن الشيبة ، فسلم غير هائب ، ودعا فأوجز ، فرأيت الحياء منه في حماليق عينَي الواثق ، الرحمة عليه . فقال : يا شيخ ، أجب أحمد بن أبي دؤاد عما يسألك عنه . فقال : يا أمير المؤمنين ، أحمد يصغر ويضعف ، ويقل عند المناظرة . فرأيت الواثق ، وقد صار مكان الرحمة ، غضباً عليه . فقال : أبو عبد الله يصغر ويضعف عند مناظرتك ؟!
فقال : هوّن عليك يا أمير المؤمنين ، أتأذن لي في كلامه ؟
فقال الواثق : قد أذنت لك .
فأقبل الشيخ على أحمد ، فقال : يا أحمد إلامَ دعوت الناس ؟
فقال أحمد : إلى القول بخلق القرآن .
فقال له الشيخ : مقالتك هذه التي دعوت الناس إليها ، من القول بخلق القرآن أداخله في الدين ، فلا يكون الدين تامًّا إَّلا بالقول بها ؟
قال : نعم .
قال الشيخ : فرسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إليها أم تركهم ؟
قال : لا .
قال له : يعلمها أم لم يعلمها ؟
قال : عَلِمَهَا .
قال: فلم دعوت إلى ما لم يدعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ، وتركهم منه ؟
فأمسك.
فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين هذه واحدة .
ثم قال له : أخبرني يا أحمد ، قال الله في كتابه العزيز : <<الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ديِنَكُمْ>> المائدة :3
، فقلت أنت : الدين لا يكون تاماًّ إلا بمقالتك بخلق القرآن ، فالله تعالى – عز وجل – صدق في تمامه وكماله ، أم أنت في نقصانك ؟!
فأمسك .
فقال الشيخ يا أمير المؤمنين ، هذه ثانية .
ثم قال بعد ساعة : أخبرني يا أحمد ، قال الله عز وجل : <<يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ>> المائدة : 67
فمقالتك هذه التي دعوت الناس إليها ، فيما بلَّغه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأمة أم لا ؟
فأمسك.
فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين ، هذه الثالثة .
ثم قال بعد ساعة : خبرني يا أحمد ، لمّا علم رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالتك التي دعوت الناس إليها ، أَتَّسع له أن أمسك عنها أم لا ؟
قال أحمد : بل اتَّسع له ذلك .
فقال الشيخ : وكذلك لأبي بكر ، وكذلك لعمر ، وكذلك لعثمان ، وكذلك لعلي رحمة الله عليهم ؟
قال : نعم .
فصرف وجهه إلى الواثق ، وقال : يا أمير المؤمنين ، إذا لم يَّسع لنا ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه فلا وسع الله علينا.
فقال الواثق : نعم ، لا وسع الله علينا ، إذا لم يتسع لنا ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه، فلا وسع الله علينا.
ثم قال الواثق : اقطعوا قيوده ، فلما فُكَّت ، جاذب عليها .
فقال الواثق : دعوه ، ثم قال : يا شيخ لما جاذبت عليها ؟
قال : لأني عقَدتُّ في نيتي أن أجاذب عليها ، فإذا أخذتها أوصيت أن تُجعل بين يدي كفني ، ثم أقول يا ربي ، سل عبدك : لِمَ قيدني ظلماً ، وارتاع بي أهلي ؟
فبكى الواثق ، والشيخ ، كل من حضر .
ثم قال له : يا شيخ اجعلني في حلٍّ .
فقال : يا أمير المؤمنين ، ما خرجت من منزلي حتى جعلتك في حلٍّ ، إعظاماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولقرابتك منه .
فتهلل وجه الواثق وسُرَّ .
ثم قال له : أَقم عندي آنس بك .
فقال له مكاني في الثغر أنفع ، وأنا شيخ كبير ، ولي حاجة .
قال : سل ما بدا لك .
قال : يأذن لي أمير المؤمنين ، في رجوعي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم .
قال : قد أذنت لك . وأمر له بجائزة ، فلم يقبلها .
قال المهتدي : فرجعت من ذلك الوقت عن تلك المقالة ، وأحسب – أيضاً – أن الواثق رجع عنها
وبعدما توفي الواثق ،جل الله بعده خليفة صالحاً وهو المتوكل ،ومن يوم أن تولى المتوكل الخلافة أعلن السنة ،وكتب إلى العلماء في الآفاق بأن يوقف الناس من الخوض في هذه المسألة ،وأصدر إعلاناً عاماً في كافة أنحاء الدولة ،نهى فيه عن القول بخلق القرآن ،فعم الفرح في كل مكان ،وحصل على يديه خير كثير وزالت بذلك هذه المحنة ،وانتصر الحق على الباطل ،ولهذا لما قيل للإمام أحمد أيام المحنة: يا أبا عبد الله ،انتصر الباطل على الحق ،قال والله ما انتصر الباطل على الحق.
انتصار الباطل على الحق ،أن تهوى القلوب الباطل وتدع الحق ،وأما أن يفرض فرضاً ،فليس ذلك بانتصاره.
هذا ولكم مني كل احترام وتقدير
أخوكم/ المســــــــــالـــــم[/align] |