[align=center]تختلف سيرة توفيق الحكيم الذاتية عن غيرها من نصوص المذكرات المعروفة. فهي تتكون اساساً من مجموعة من الرسائل يكتبها الؤلف الى صديق له في باريس. وهو في هذه الرسائل يصف حياته كتلميذ قانون في فرنسا خلال فترة ما بين الحربين، ويذكر الاسباب التي ادت لعدم نجاحه في الدراسة ، ثم حياته بعد عودته الى مصر ، وعمله في النيابة .
يمكن مقارنة زهرة العمر بمذكرات هنري آدامز وطه حسين ، نظراً لاهتمام هؤلاء الثلاثة بوصف مراحل تعلمهم المختلفة.. ولكن توفيق الحكيم يبدو اكثرهم قلقاً واقلهم استقراراً. اذ انه يخشى من عدم قدرته على الوصول للنجاح الذي يريده، ويصف في مذكراته الجهد الذي بذله للوصول للتفوق في ميدان الادب. هو يصف بشكل خااص ما لاحظه عن اوضاع الادب العربي –مزاياه ونقاط ضعفه – بالمقارنة مع الاداب العالمية.
الصفحات التالية تصف حياة كاتب زهرة العمر في باريس ، ثم اسباب فشله في دراسته ، وبعض آرائه بشان الادب العربي.
زهرة العمر
باريس - شارع بلبور في....
عزيزي اندريه :
اشكر لك خطابك . وآسف لما سببه لك خطابي من حزن لأجلي . ما كان لي الحق ان اضيف ما بي الى ما بك . فهذا حمل ثقيل لا ارضاه لك. اني اؤنب نفسي الان . لقد الجأها الضعف اليك للتوكؤ عليك. اني اؤنب نفسي الآن . وفاتها ان في ذلك ازعاجاً لك . قاتل الله الضعف . ومع ذلك .. لولا هذا الضعف الانساني ما وجدت العواطف الانسانية الجميلة التي تنتج احياناً الاعمال الانسانية العظيمة. ان الضعف هو ايضاً مظهر جمال في بعض الاحيان لا يجب ان ننسى ذلك . انه جمال الانسان الذي يمتاز به عن اله قوي لا رقة فيه ولا شعور. لماذا نعد دائماً الضعف البشري نقيصة؟ ما دمنا قد وصمنا به الى الابد فلنحترمه احياناً ولنستثمره ولنحوله الى فضيلة من فضائل البشر . بغير هذا فان الحياة لن تُحتمل . اراني اعزي نفسي يا اندريه بهذا الهراء من الكلام؟ اتراني اقلب الحقائق وارى الدنيا ملأى بالحسنات والفضائل ، خليقة باحترامنا جديرة بتحملنا الالام في سبيل المكث فيها؟ لا تضحك ولا تسخر ولا تتهمني بالحمق. فانك قد تحترمني قليلاً وتدهش لقوة احتمالي ، اذا عرفت مبلغ ما تجمع على رأسي من شقاء . ومع ذلك ما زلت احاول انتزاع ابتسامة من شفتي الحياة . لا اريد ان احدثك عن نفسي اكثر من ذلك. لكن فلاحدثك قليلاً لتعلم انك بالقياس لي اسعد المخلوقات طراً .فانت الان رجل ناجح في حياتك تجد من يقدر عملك وجهدك وينقدك عليه اجراً معقولاً . والمستقبل امامك جلي كالنجم اللامع في السماء الصافية . وقد قلت لي ان معامل "ليل" تتخاطفك. وانك ترقى درجات العمل الاولى سريعاً . ثم انت فوق ذلك رجل محاط بالحب والعطف من زوجك وولدك. انت محب محبوب. ومن تحب تحرص عليك وترى فيك المثل الاعلى . لا للرجولة وحدها والبطولة ومكارم الاخلاق بل للجمال ايضاً . لكم ادهشتني جرمين ذات يوم وانا اريها صورة "ردولف فلنتينو" في احدى الصحف قائلاً لها: "اليك صورة اجمل رجل في العالم " فقد قالت للفور : اندريه اجمل منه . الا توافقني على ان اندريه اجمل منه؟" ماذا تريد اكثر من ذلك؟ وماذا يريد انسان اكثر من ذلك؟ انك لا تعرف الشقاء. اما انا فاعرفه . انه فجيعة الانسان في آماله . نحن انما نعيش داخل امالنا. فاذا اندكت فنحن كالنمر الشارد في الشتاء العاصف . لا تنظر الي بعين سخريتك بااندريه ولا تظن اني اعني الحب. فلو انه هو الذي انهدم وحده عندي لما حزنت كثيراً . ولكن كل شيئ انهدم ياأندريه . لم يعد لايامي مذاق. فهي كالماء القراح اجرعه على غير ظمأ. والمستقبل امامي محاط بالضباب. يخيل الي اني هويت قبل الاوان كالثمرة التي تسقط من الفرع قبل النضج. امامي برقية من ابي المسكين يقول: "ابرق لنا في حالة نجاحك." كلمة النجاح غريبة على اذني الان . اانا استطيع ان انجح في شيء ؟ ان اسمي كما تعلم مقيد منذ زمن بجدول المحامين في بلادي. اني في عرف القانون محام. ولكن أي محام؟! لقد كانت فجيعة لابي المسكين ايام ان كان يسمع ويرى اني انسى صفتي كمحام ، وانحشر في زمرة الممثلين او اولئك الذين يسمونهم عندنا "المشخصاتية" ، والحق انهم في مصر ليسوا بعد من الطوائف المحترمة . لقد كان ملحن رواياتي "كامل الخعي" يدندن وهو عاري القدمين الا من "قبقاق" خشبي .. تلك كانت بدايتي الفنية والادبية .. في عين الوقت الذي كان غيري يبدأ حياته الادبية بالكتابة السياسية ، فيظفر سريعاً بالشهرة والاحترام، ولو اني فعلت ذلك لرضى عني اهلي بعض الرضا . فالفرق شاسع في مصر بين خدمة رجال السياسة وخدمة رجال "التشخيص" ! وها انذا لم اظفر بشهرة ولا ذكر بينما لمعت اسماء اولئك الذين اختاروا الطريق الآخر المحترم...فسهل عليهم بعدئذ ان ينتقلوا منه الى الادب محتفظين باثواب التجلة ومظاهر التقدير . اما انا الذي اخترت الفن من البداية صرفاً صريحاً فلا استطيع ان انتقل الى شيء .. غير الانحطاط الاجتماعي.
ولقد خشى والدي المتوجع ان يجرفني التيار عن حياة القضاء التي عاشها بشرف ، فاشار عليه المخلصون ان يقصيني عن مصر فترة من الزمان. فارسلني كما ترى الى هنا لعلي اسلوا الفن وانصرف الى ما يتمناه لي من حياة قانونية قضائية محترمة . فماذا انا قائل له الان؟ وبماذا ارد على برقيته ؟ ثم امامي خطاب ممن احببت واوهمتني بنعيم دام اسبوعين ، تكشف لي فيه عن المهزلة. ولم تترفق فتترك لي حتى ذكرى تلك الايام القليلة سليمة جميلة. لقد شائت ان تسترد كل شيء حتى الاوهام والاحلام. فجردتني منها بعبارة واحدة: "اتمنى اني ما عشت قط هذين الاسبوعين" ياالهي! الى هذا الحد! وهاهي ذى تغني اليوم لرجوع كل ود بينها وبين حبيبها الحقيقي. اسمع غناءها من نافذة حجرتي فاضحك. لكن أي نوع من الضحك! ثم امامي قصاصات من نقد صحف مصر لرواياتي التي تمثل في القاهرة. فانا اذاً موضع السخرية . ودراساتي التي لا تؤدي الى نتائج وشراهتي في المعرفة التي تسبق قدرتي الذهنية وقوتي الجثمانية ووقتي المادي.
كل شيء حولي يهدمني هدماً .
باريس - شارع بليور في..
لا شك اني لست كريم الخلق بالفطرة والسليقة . امس هبط علي الشاعر البارناسي في حال يرثى لها ، فلم امد له يد المعونة كما ينبغي . يجب قبل كل شيء ان تعرف من هو هذا الرجل عندي . انك لم تره غير مرة واحدة معي في قهوة الدوم . وقد غاظك اشتغالنا عنك بمناقشات فنية طويلة عن الفروق الدقيقة بين المدرسة الايطالية والمدرسة الفلمنكية في التصوير . فتركتنا ساخراً وانت تهمس في اذني: اين هذا الشيخ المتهدم الذي جاوز الثمانين من تلك الصبية الحسناء التي تنتظرني في "الروتوند"؟! ولكنك تذكر ان اغراءك في تلك المرة لم يصادف عندي نجاحاً . ان الجلوس الى ذلك الشيخ المتهدم كان ينسيني مفاتن الدنيا لانه كان يريني مفاتن الفن . هو الذي فتح بصري على جمال الفن "البلاستكي" من نحت وعمارة وتصوير. كما ازاح لي مسيو هاب الستار قبل ذلك عن جمال الاداب القديمة .فقرأ معي الالياذة وبعض مآسي سوفوكليس ويروبيد واشيل وكوميديات ارستوفان . ثم ترك حبلي على غاربي . وقد تمكن مني داء المعرفة . فتركته وانطلقت وحدي التهم كل شيئ من قديم وحديث . وكما حدث مع والدتك يوم كنت اقطن عندها في "كوربفوا" وتذوقت لاول مرة غنائها للاوبرات . فكنت انتزعها من المطبخ انتزاعاً لتذهب الى البيانو بفوطتها تغني لي المقطوعات الجميلة في "كارمن " و"فاوست" و"اجراس كورنفيل" الى ان عرفت طريق دار الاوبرا والاوبرا كوميك ثم قاعات الكونسير "كولون" و"جافو" و "بادلو" . فلم اعد اليها بعد ذلك قط. على ان والدتك وكذلك مستر هاب ليسا في حاجة الى حسن المعاملة. اما ذلك الشاعر المسكين فله شأن آخر. انه لا يكاد يجد الان ما يسد به رمقه . انه كان شاعراً معروفاً يوم اخرج مجموعة شعره الكبرى. ولقد اراني نسخة من الطبعة الاولى صدرت منذ نصف قرن . وقصاصات من نقد ذلك العهد تنعته بانه من اركان مذهب البارناء. ولكن الشعر لا يستطيع ان يقيم اود انسان الى ما بعد الثمانين. فهو اليوم بائس حقاً ، يعيش في حجرة قذرة "مانسارد" وياكل مما تجود به معونة اصدقائه ، ولعل اكثرهم قد مات الان ، وهو قد فرح بي يوم عرضت عليه ان يقودني الى المتاحف وآثار الفن وان يلازم احدنا الاخر كلما استطعنا الى ذلك سبيلاً ، على ان اتكفل اثناء ذلك بنفقات غذذائه وعشائه وتبغه وشرابه ، وهو يستحق اكثر من هذا ولكن ماليتي كما تعلم محدودة. ومع ذلك فما كنت اتركه بعد كل لقاء دون ان ادس في يده ورقة مالية صغيرة ، وانا اقول في نفسي " اجعل انك اشتريت بهذا المبلغ كتاباً." وما اكثر الكتب التي ابتاعها كل يوم كما تعلم بالمال المخصص لكسوة الشتاء ، على ان هذا الرجل كان لي خيراً من الف كتاب. انه كتاب حي متنقل ما ترك قاعة في متحف اللوفر ، او حديقة فيها تماثيل، او كاتدرائية اثرية دون ان يذهب بي اليها ويقف بي عليها شارحاً مفسراً . اني لم ازل اذكر لقاءنا الاول وقد احضر معه الى القهوة "صرة" دون ان ينبس ..فاذا هي مجموعة اثرية صغيرة ، عن العصور الحجرية الاولى ، او ما يسمونه "المجاليت" واخذ يوضح لي المظاهر الاولى لفن العمارة في المنهير والدولمن . ذلك انه اراد ان ابدأ في معرفة الفن من البداية . فاراني تطور النزعة الفنية منذ الانسان الاول . وقادني الى متحف التاريخ الطبيعي ، ثم الى دار الكتب ، وهناك رأيت لاول مرة تمثال "افروديت"بغير رأس ولا ذراعين ولا ساقين ، ولكن أي جمال ؟ "لا شيئ اجمل من جسد امرأة " تلك هي الصيحة التي لفظناها امام هذا التمثال . لقد قلت لصاحبي الشاعر يومئذ اني قد فهمت المعنى الحقيقي لكتاب "بييرلويس" عن افروديت ، وانه لا شك قد راى من تمثالها هذا ما رأينا! كيف استطاع ذلك النحات الاغريقي ان يستخرج من ثديين وردفين (لان التمثال ليس اكثر من ذلك) جمالاً ارتفع الى القدسية؟ بيير لويس اراد ايضاً ذلك بلا جدال ، فاشاد بجسد المرأة اشادة لم تفهم احياناً على الوجه الذي اراد .. وهكذا كنا نتحادث ونتناقش امام كل تمثال او صورة او اثر فني . ويجرنا الحديث من فن الى فن ، ومن مقارنة الى مقارنة . فالاداب والفنون والعلوم وكل مظاهر النشاط الذهني متصل بعضها ببعض الى حد قد لا يصدق لاول وهلة. فالمعرفة سائل في اناء عناصره كل هذه الاشياء . واخيراً جائت الساعة المحتومة . لقد تفتحت عيناي وانتهى الامر . وعرفت كيف ابصر بدون حاجة الى دليل. وعرفت كيف اقرء في ذلك الباب . فهذا (هيوبوليت ثين) و(جان ماري جوبو) و (جرانت الن) و (جون راسكن) (سالمون ريناخ) الخ... وعشرات الكتب الفنية المصورة عن اعمال ومتحف "روادن" والمعارض السنوية الدورية. ثم بعد ذلك كله وهو الاهم ...هذا هو تفكيري الشخصي قد تكون بعض التكوين ونظرتي الخاصة بدأت تطالبني بان استقل في التامل والتقدير والاستنتاج . جاءت اللحظة التي شعرت فيها بوجوب السير بمفردي . وكانت بوادرها ذلك اليوم الذي ادركت فيه ان محادثات ذلك الشاعر لم يعد فيها جديد يثير اهتمامي او التفاتي . ولقد شعر المسكين بذلك فكف عن الحديث عن الفن . وندرت مقابلاتنا واقتصر الكلام اثنائها على التافه من امور الدنيا الى ان انقطعت ، وانصرف كل الى شانه ، فاصبحت لا اراه الا اذا اشتدت به ضائقة ارغمته على اقتراض بعض النقود مني . ولقد جاءني امس كما قلت لك في الصباح المكبر فاستيقظت ساخطاً متبرماً فابصرته يرتعد في البرد ويقول لي : طاذا لم اجد دثاراً ثقيلاً في هذ االشتاء فاني لن اظل حياً حتى مطلع الربيع “. فلم ارد عليه بكلمة ، ولكني اخرجت له ورقة مالية صغيرة وضعتها في كفه كانه شحاذ ، فرفع الشيخ قبعته شكراً وانصرف صامتاً . وعدت الى فراشي لاستانف رقادي ، فقد سهرت ليلتي اطالع كالمعتاد . ولكن النوم هرب مني . لقد تنبهت لما حدث ، وتمثل لي سوء فعلي. كيف اصنع معه ذلك؟ وكيف اتركه يذهب هكذا بقليل من نقود لن تغنيه شيئاً . وتذكرت هيئته الذليلة ساعة انصرافه صاغراً مذعناً لحكم القدر او حكمي انا على الاصح. وكانت آخر لفظة قالها برغم ذلك هي : Merci beaucoup خرجت من فمه خافتة محلصة لا اثر للمرارة فيها ولا للعتاب. هنا ادركت اني لو كنت كريم النفس حقاً لالقيت على منكبيه الهزيلين معطفي بغير تفكير ولا تدبير ولا تردد.
باريس - شارع بلبور في ....
عزيزي اندريه:
لقد لفظ القدر كلمته . انه لا يريد لي طريق القانون . لقد رسبت في ثلاث درجات ، ولم ترد لجنة المحلفين جبر النقص بينما وافقت لجنة اخرى على جبر اربع درجات لاحد اعضاء البعثة. من هذا ترى ان القدر لم يرد ان يمد الى يده كما مدها لغيري. لماذا؟ اياك ان تفهم اني تهاونت في الدرس. لقد كانت اجابتي مرضية جداً في علم تاريخ والمباديء والمذاهب الاقتصادية (آراء ارسطو حتى آراء كارل ماركس) وكذلك في علم الاقتصاد السياسي والتشريع الصناعي ولم اهبط الى حد الرسوب الا في علم واحد هو علم المالية (ولعل هذا يفسر لك ارتباك ماليتي) . انه علم اجراءات وارقام لا تستقر في ذاكرتي . آه للذاكرة يااندريه . مادامت الذاكرة هي المعول عليها الى حد كبير في الامتحان فلا امل لي . اما المطالعة في ذاتها فما ايسرها وما الذها عندي. اني اطالع في اليوم ما لا يقل عادة عن مائة صفحة في مختلف الوان المعرفة (من ادب وفنون وفلسفة وتاريخ الى علوم رياضية وروحانية). مائة صفحة في اليوم أي ثلاثة الاف صفحة في الشهر. بينما المقرر كله لامتحان الدكتوراه لا يتجاوز ثلاثة الاف صفحة في العام كله . لو تعلم اني قرأت مقرر الدكتوراة للقانون العام وهو عن (سلطة الكنيسة والدولة) و (نظام العبادات منذ القرن الرابع عشر) و(عصبة الامم) و (المباديء البارزة للقانون الدولي) و(اهم اتجاهات قضاء مجلس الدولة) و(الدساتير المكتوبة) قرأت ذلك كله دون ان اتقدم فيه الى أي امتحان . قراته لمجرد القراءة . وما قراءة مقرر عندي الى جانب قراءاتي الاخرى ! الم اخبرك اني تتبعت كثيراً من دروس السربون لغير غاية الا تتبع اثار الثقافة التي تعنيني. لقد حضرت كثيراً من محاضرات الاستاذ برنشفيج عن "صلات العلم بالدين في القرن السابع" ومحاضرات دلاكروا عن "الاحوال النفسية للفن" ودروس روبين عن "المذاهب الاخلاقية والسياسية لافلاطون وارسطو". ودروس فوجير عن "مصادر فن العمارة الاغريقية" و"آثار اكروبول اثينا" ومحاضرات برونو عن "الثورة واللغة" ومحاضرات لجويس عن "تاريخ الشعر الانجليزي" الخ. ولم يمنعني الانقطاع عن الحي اللاتيني من متابعة هذه الدراسات فقد استحضرت كتبها وانغمست في مطالعتها لنفسي ، وسرت على دربها وانا في حجرتي. ان التحصيل في ذاته للثقافة والتكوين هو لذتي الكبرى الان . انما الذي يخيفني هو الامتحان . لقد تحقق لدي اليوم اني لا اصلح بطبعي للتقدم الى أي امتحان. ذلك ان الامتحان يريد مني عكس ما اريد انا من القراءة. اني اقرأ لانسى . والامتحان يريد مني ان اقرأ لاتذكر. اني اقرأ لاهضم ما قرأت أي احلل مواد قرءاتي الى عناصر تنساب في كياني الواعي وغير الواعي. اما الامتحان فيريد مني ان احتفظ له بهذه المواد صلبة مفروزة . اني اشعر وانا اقرأ حتى مقرر الدكتوراه في القوانين ان مواده قد تفككت واختلطت بمواد اخرى لقرءات اخرى لا علاقة لها بلاقانون ، كما تختلط في المعدة المواد الغذائية بعضها ببعض. واذاً الناتج من هذه المواد المختلطة هو عصير ثقافي يسرى في دمي المعنوي فأحس كان وزني الفكري قد ازداد . وكأن قدرتي على احتمال التامل المثمر قد نمت . اما المواد الغذائية في ذاتها فقد هضمت أي نسيت. الامتحان يريد مني ان اقف عملية الهضم حتى يتحقق الممتحن من وجود المواد صلبة مغروزة داخل المعدة الذهنية.
لا اريد بذلك ان اعيب نظام الامتحان في ذاته ، انما اعيب نظام بنيتي الفكرية . اني سريع الهظم الى حد قد يعد مرضاً في نظر الممتحن. ومع ذلك لماذا اتقدم لممتحن ، ما دمت قد تناولت الغذاء واحس حرارة الدم القوي تفور في رأسي ، فلماذا ادع الناس يفحصون ما في معدتي؟
اتراني ادافع عن نفسي والتمس الاعذار ياأندريه ! لست ادري . هاانت ذا تراني غير يائس ولا ساخط . واتي اتقبل الصدمة باسمها لانها لا تدل على شيء الا على قرب وقوع الكارئة العظى: تركي اوربا والعودة الى بلادي.
لقد لفظ القدر كلمته . ولا جدوى من الاصرار على معارضة القدر. لكن ، اتراها اندريه ارادة القدر ام ارادتي انا؟ من الانصاف ان اخبرك بشيء عجيب : لقد قرأت منذ اسبوعين كتاباً جديداً لاحد معاوني فرويد عن القدر ، ذكر فيه اننا نحن الذي نصنع اقدارنا بانفسنا. وان ما نسميه القدر ليس الا ارادتنا غير الواعية. ورب حادث صغير او حلم من الاحلام او نبوئة من النبوءات نصدقها فتستقر في اعماقنا وتعمل سراً على دفعنا في سبيل تحقيقها . فقد حدث لي مثل هذا الحادث . كان ذلك آخر ليلة استعد فيها للامتحان . لقد سهرت الى الرابعة صباحاً تحت مصباح المكتب الصغير حتى اتممت مراجعتي الاخيرة فطويت الاوراق والكتب ونهضت للنوم كي استيقظ نشيطاً للامتحان. وكنت منشرحاً متفائلاً مفعماً بالامل لامتلاكي ناصية المقرر. واذا فجأة تصطدم يدي بالمصباح فيقع مكسوراً على ارض الحجرة تاركاً كل شيء في الظلام . عند ذلك دب التشاؤم في نفسي وحدثتني بسوء الختام . في هذه اللحظة فقط كان فشلي قد تقرر ، كما تقرر مصير ماكبث ملكاً مجرماً في اللحظة التي آمن فيها بنبوءة الساحرات .
سواء كانت تلك ارادة او ارادتي فقد فشلت بااندريه ، فارث لي .
الاسكندرية في ...
عزيزي اندريه :
مضى شهران وانا انتظر خطاباً منك لا ياتي ، وبدأت اعتقد انه لن ياتي ابداً . ومع ذلك ثق اني لم اصب عليك اللعنات او اني فعلت ، ولكني اقسمت اني على استعداد لشراء خطاب منك بالنقود . نعم انه لتمر بي لحظات اخرج من جيبي ورقة مالية اعلم انك في اشد الحاجة اليها ، واضعها ثمناً لرسالة منك ذات اربع صفحات.
اما بعد ، فان مسألة اكل العيش ما زالت عقدة العقد وامرها اصعب ما تتصور. ماذا تريدني ان اكون ؟ وكيل نيابة؟ تاجراً ؟ مزارعاً ؟ ثق اني في أي مهنة خلقها الله لن اكون سوى واحد: انا بطبيعتي ونقصي ! ومعنى ذلك اني سوف اكون وكيل نيابة او تاجراً او مزارعاً على طريقتي وهنا المصيبة والفضيحة! انك تعلم من غير شك ان لي منطقاً خاصاً يشط بي احياناً عما اعتاده الناس . فاذا انا في واد والناس في واد . ينظرون الي ويقولون : اما انه ابله واما انه فطن . لا اذكر في حياتي ان الناس حكمت علي غير هذين المنطقين المتناقضين : ففريق ، ومنه والدي ، يقول اني ابله ، وفريق ومنه والدتي يقول اني فطن . ولم اسمع طول عمري حكماً وسطاً بين هذا وذاك. على ان هذا كله لا يهمني ولا ينبغي ان يهمك. مستقبلي حتى الان شيء غامض . بل لعله لم يكتب بعد في (اللوح المحفوظ). اذكر قولك لي مرة في حديقة اللكسمبورج: ان الله لم يخلقني ، وانما هو الشيطان اراد ان يخلق طرازاً جديداً من الادميين او "موديل" من الانسان ، يضارب به الطراز الشائع المعروف. فجاء خلقه عجيب البناء غريب التركيب ، به اثر من عبقرية الشيطان ، ولكن به نقصاً ينم عن تخبط في شؤون الخلق والابداع . ومع ذلك ، حتى على فرض ان الله هو الذي خلقني لا الشيطان ، فانه كان لسوء حظي يضجر ويتبرم كلما جاءه ابريل بلوحي المحفوظ ليعين فيه خطوات حياتي ، فقد كان يصرخ في وجه الملاك الامين قائلاً : "اذهب عني الان" فيقول جبريل خاشعاً : "لكن ، با اله السموات والارض ، المدعو توفيق الحكيم ولد وشب ونما وكاد يدنو من الثلاثين ، وهو لم يزل يدب على الارض ويعيش فيها بالمصادفة ، وكلما جئت بلوحه لاجل التعيين ..." فيسمع كأن الصوت العلوي يصيح به : "قلت لك اذهب عني الان ولا تشغلني بهذا المخلوق!" هكذا اعيش بغير مصير . حياتي فيما يحيل الى هي في يد المصادفة ، والمصادفة غير قديرة على صنع حياة محبوكة الاطراف . آه ... ان حياتي مفككة ، كالقصة المفككة ، او الهيكل المزعزع الاركان . انا الذي لا يحب في الفن غير قوة البناء ، وما يتبعه من قوة التركيز ، وهذا هو سر عنايتي بالحوار التمثيلي في الادب . نعم ذلك ما اسميه عاطفة ال Architecture هذا الاساس الهندسي الذي من نتائجه: الحساب ووضع الكلام بمقدار والاعتماد على الخطوط الكبرى التي تحدث التاثير. اني مهندس Architecture ادبي. هذا كل شيء. من ذلك الطراز الذي يشيع معبداً عارياَ : اعمدة ضخمة متناسقة ولا شئ غير ذلك . ما أشد حاجتي الى حياة قائمة على اعمدة راسخة كالمعبد الضخم الجميل! اني معبد يتصاعد من جوفه لا بخور الايمان ، بل بخار الشك والقلق . اني اتالم الماً لا يراه احد ، اذ لا يظهر على وجهي شيئ غير هدوء الرضا. هنالك دودة دائمة الوخز، دائبة النخز في قلب هاديء المظهر رائع المنظر كالكمثرى الذهبية . هنالك قلوب يسكنها الالم كانه عبادة. حياتي كلها ليست سوى قارب ثمل. لهذا يخيل الى اني صديق رامبو الانسان قبل الشاعر ، ولهذا ايضاً كنت صديق "ايفان" الروسي الثائر . اما انت يااندرية؟ ان لك قلباً من غير شك ولكن ... ينقصك الالم ، اذا انصهر قلبك يوماً انصهاراً كافياً وانتشر حوله الدخان ، فان هنالك بين الدخان تستطيع ان ترى الشبح الحقيقي لصديقك الشرقي.
اني الان انتظر الشتاء ، ولعله ياتي بجديد . ولعل الله في هذه المرة يلتفت الى وجودي غير ضجر ولا متبرم فيعين طريقاً لحياتي. ان الانتاج الفكري يا اندريه ليرتبط الى حد ما بطريقة عيش الكاتب ، ويتلون احياناً بلون حياته اليومية . لذلك تراني انتظر . على اني في هذه الفترة اتعزى عن نفسي بك وبنشاطك واتوجه ببصري اليك في امل، واتبعك في مطالعاتك الليلية في غبطة ورجاء.
حاشية- بعد ان ختمت هذا الخطاب تاملت قليلاً في امر ذلك اللوح المحفوط الذي تسطر فيه مصائرنا ، مما لا شك فيه ان لكل نفس قصة يجب ان تعيشها على هذه الارض . ومما لا شك فيه ايضاً ان كل قصة يجب ان تكون جديدة بعض الجدة ، وان تختلف عن غيرها بعض الاختلاف . تصور اذن كم من القصص قد الف ويجب ان يؤلف لملايين الملايين من البشر . يخيل الي ان هنالك في السماء ملاكاً فناناً منقطعاً لتأليف قصص المواليد قبل خروجهم الى الحياة. هذا الملاك واسع الخيال الى حد مخيف . والويل له اذا نضب خياله مرة . اخشى مع ذلك ان يكون خياله قد نضب وهو يمسك بالقلم ليسطر قصة حياتي .
الاسكندرية في
عزيزي اندريه:
.... لنعد الى ما جاء في رسالتيك الاخيرتين عن غرقك في بحر الكتب والمطالعات ، وخروجك مصاباً بحمى الشك القلق . ينبغي ان ابادر فأقول لك ان هذا القلق مرض دوري لكل رجل فكر. اين كنت يوم اصابتي بهذا المرض الاصابة الاولى؟ لقد حدث لي بالضبط كل ما وصفت . في ذلك الوقت كنت انت في مصنعك بعيداً عن المنطقة الجدية العميقة من نفسي. وكنت انا في حجرتي . لقد كان العامان الاخيران من عهد باريس رازحين تحت اثقال هذا المرض الموهن ، لقد فتحت امامي المطالعات دنيوات لا قبل لي بها . وعوالم لا حدود لها . وقد حدث ذلك فجأة وعلى الاقل في سرعة لم يتحملها ذهني . فصار مثلي مثل ذبابة اطلقت في اجواز الفضاء الهائل وهي التي هامت في جو الحجرة الضيقة وما عرفت النور الا من خلال النافذة الزجاجية المغلقة . على ان هنالك فرقاً بيني وبينك لا يجوز ان تنساه . فرق جعل مرضي اثقل وطأة واشد فتكاً . ذلك اني كنت اعتبر شؤون الادب والفكر حرفة وغاية . وكنت ادع المتصلين بي يفهمون عني ذلك . وكنت اعلن لا فقط حبي لشؤون الفكر والادب والفن بل اشتغالي الكلي بها . اما انت فقد كنت تعمل عملاً حقيقياً ترتزق منه وتاخذه على سبيل الجد وما كانت المطالعات عندك الا هواية. وما كان الاغراق في التامل والتفكير والخيال الا موضوع سخريتك على الاقل في اول عهدك . الى ان رضيت آخر الامر ان تتفضل على هذه الامور بنظرة تسامح . ذلك حالك وهو كما ترى ليس خطراً الى حد كبير. اما انا فقد تفاقم خطبي . لقد اضعت وقتي كله في باريس منحنياً على مكتب الحجرة رقم 48 بشارع بلبور اقرأ واقرأ حتى قرأت كل شيء. لم اترك شيئاً في تاريخ النشاط الذهني لم اطلع عليه. لقد غرقت في اداب الامم كلها وفلسفتها وفنونها . لم اكن اسمح لنفسي بان اجهل فرعاً من فروع المعرفة لاني كنت اعتقد ان الاديب في عصرنا الحاضر يجب ان يكون موسوعياً لذلك بذلت جهدي في ان احيط بابرز ما انتجت العبقرية الانسانية . حتى العلوم، اردت ان الم الماماً باهم نتائجها ففي الهندسة حاولت فهم هندسة نيوان المعارضة لهندسة اقلديوس التقليدية . والرياضة اردت فهم مراميها العليا في مؤلفات الرياضي هنري بونكاريه . والطبيعة والفلك بداتهما باسحق نيوتن حتى بلغت نظرية اينشتاين التي قرأت فيها وحدها نحو خمسة كتب. وفي علم الحياة قرأت بعض كتب داروين ولامارك ... وفي علوم النفس بدأت بكتب جورج توماس وارمان ريبو وانتهيت الى اكثر ما كتب عن نظريات فرويد . ولفتت نظري العلوم الثيوفيزية فقرأت كنت "آن بيزانت وادوار شورية ورودولف ستينز" وخرجت منها الى العلوم الروحية قرأت ابحاث اوليفرلودج ووليام بريت وفلاماريون . حتى علوم الكهرباء حاولت فهم ما استطيع فهمه من نظريات فاراداي وتومسن وبيران .. الخ... اما قراءاتي في القص التمثيلي فهي اعجب شيء فعلته . لقد قرأت كما اخبرتك ذات مرة المكتبة المسرحية La Libaraire Theatrate برمتها . فانا كنت اراسلها من مصر قبل نزوحي الى فرنسا. واعرف عنوانها في الجان بولفار. وكانت هي اول حانوت دخلته اذ دخلت باريس . فجعلت اختلف اليها اياماً طويلة اطالع فيها صفوف كتبها صفاً صفاً . وانطلق آخر النهار بما استطيع شراءه مداراة لصاحب الحانوت . واعتاد المكتبي رؤيتي كل يوم على هذا الحال الى ان نظر ذات يوم حوله فلم يجدني . فسال في ذلك احد عماله مستغرباً . ثم حانت منه التفاتة الى اعلى المحل فابصرني في قمة السلم لاصقاً بالسقف التهم الكتب التي في الصف العلوي الاخير .. اجل يا اندريه فعلت هذا وبعد ذلك كله انكببت اكتب واكتب مخطوطات ... كان مصيرها كلها التمزيق ، ان ما جعلتك تقرؤه منها يا اندريه لا يوازي جزءاً من عشرة اجزاء مما اخفيته عنك وانتهيت الى تمزيقه قبل ان تطلع عليه عين . ولعل ما قرأته انت هو انكب واقبح ما سودت به وجه ورق. انها سهول من الصحاري والرمال تصور لنا سحاباً بعيداً لن نبلغه ابداً . سهول من الاسلاليب المختلفة كلها "السهل الممتنع : يحسب القاريء انه محيط باسرارها واضع اليد على مفاتيحها مستطيع ان يبلغ مبلغها لو امعن في السير والبحث والكتابة. فيسير ويسير متوهماً في كل خطوة انه يبصر اسلوبه الخاص المنشود يلمع فوق تلك السهول ، لكنه ما يبصر غير سراب . ولشد ما توهمنا ان الاسلوب الخاص معناه التجديد وان التجديد معناه الاغراب. وبهذا الوهم كتبت حماقات كنت احسبها شعراً . ونزعت الى الاغراب خشية التقليد فاذا بي اقع دون ان اعشر في محاكاة "الداديزم" و "السوريالزم" والكوبزم" الادبي. واذا ما كنت اظنه استيحاء مبتكراً في وضع الشعر على طريقة "بيكاسو" و"ماتيس" في التصوير الحديث ، ليس الا صدى باهتاً لطريقة "جون كوكتو" ونزعات مارسيل شووب واتجاهات ماكس جاكوب . وضعت في هذا الاسلوب قطعاً كثيرة اهمها : (النفس) و(القبلة) و(ابو الهول) الخ ... مزقتها طبعاً قبل ان افكر في اطلاعك عليها ... وغير ذلك كم من الفصول التمثيلية كتبت ومزقت ! لقد كنت اظل اكتب احياناً تسع او عشر ساعات في اليوم بلا انقطاع دون ان اذكر الجوع او افطن الى اوقات الطعام . ولقد انفقت شهوراً في وضع قصة تمثيلية قراتها لصديقي مسيو هاب وقد كان قبل الحرب مهما كما تعلم في اشهر مسارح باريس ..! قراناها في يوم باكمله بحديقة اللوكسمبورج ، وكان مصيرها "الالقاء" في اول مرحاض عام بشارع مدسيس . ذلك اني لم استطع صبراً على الانتظار حتى اعود الى مسكني فالقيها في سلة المطبخ . ولكني لم اقنط مع كل ذلك . لقد استمرت الحمى بعدئذ سنتين كاملتين قاسيت فيهما كثيراً . لقد كان القلق مستحوذاً علي الى درجة مروعة. كنت اظن على نفسي المتعبة بشيء من الراحة والاستجمام . لقد دعاني زملائي المفلحون من دكاترة الحقوق الى السفر معهم في الصيف الى شاطيء ( اوستند) او الى جبال (الفوج) او الى قرية على بحيرات سويسرا استكشفوها . وكانوا يذهبون لنزهة الصيف زرافات ، يضحكون ويلهون وكلهم فرح بالحياة ، مدرك لقيمة الشباب . اما انا ففي باريس دائماً ، قد انحنى ظهري على مكتبي بشارع بلبور ، احث وابحث عن ذلك السراب الذي يدعى "الاسلوب".
لقد كان مسيو هاب يعيب علي شيئاً واحداً : كتابتي بالفرنسية مباشرة . ولكن ذلك لم يفت في عضدي ووضعني هذا القول وامثاله في جحيم المعركة من جديد ..فاندفعت اعمل سنة كاملة اخرى كتبت في نهايتها صفحات تقرب من الخمسمائة لم اطلعك عليها ... ولكن بعض الاصدقاء حملوها الى ناقد فرنسي معروف، لم يرني ولم يعرفني ، فابدى رايه في خطاب طويل، فيه تحليل دقيق. ختمه بالعبارة المعهودة : "افكار كثير وموهبة في الحوار ، ولكن" "Beacoup d’idees , le don du dialogue, mais" آه لهذه ال "لكن" . لطالما مزقت وقتي وجهدي وقلبي. وشعرت اني سجين هذه “mais” افظع مما سجن بها ملك روما في قصة ادمون روستان! ومزقت تلك الصفحات ايضاً . ان اعتراضات الجميع لا تتغير: "لماذا تحاول ان تتكلف الاسلوب تكلفاً ؟!" انه لا يفوح من اسلوبك الفرنسي أي عطر شخصي أخاذ .. انما هي عبارات محفوظة في كتب البلاغة تحسب انها اسلوب رائع." حقاً ان احتفالي بامر الاسلوب قد اوقعني في التقليد .. آه لكلمة اسلوب ، ولكلمة Fornule. لقد بدأت ابصر وقتئذ .. لقد تبين لي بعد طول الجهد ان الاسلوب احياناً حجة الكاتب الذي لا يجد ما يقول . ان الذي عنده ما يقول للناس يخرج بكل بساطة ما لديه من كنوز. لايحفل باسلوب التقديم ويتكلف الوضع المتصنع في الاعطاء الا ذلك الذي يعطي شيئاً تافها. ما الاسلوب الا تلك الالة الصناعية التي نتوسل بها للوصول الى الحقيقة . ولكن ما اروع الحقيقة لو تفجرت وحدها من اعماق القلب الصادق في كلمات بسيطة ! لهذا كان الاسلوب احياناً كل ادب اولئك الذين لا يحملون في جعبتهم ما ينفع الناس. ولقد لاحظت انت يااندريه بحق ان كتاباً مثل كتاب السحر الاسود ليول موران هو مجرد اسلوب وان كتاباً مثل كتاب "قافلة بغير ابل" لرولان دورجليس ليس سوى اسلوب. هذا العصر الالي يلجأ احياناً الى الة الاسلوب كلما اعوزته روح الحقائق الانسانية التي ابرزها الادب القديم . الاسلوب هو المظهر الخادع الذي يخفي به كتاب اليوم جهلهم المطبق بروح الشعوب التي يزعمون النفوذ الى صميمها في مدى رحلة شهرين بالقطار والباخرة! انهم يستعيضون بفن الديكور الكلامي والريبورتاج السريع واللون المحلي السطحي عن الحقائق التي لا يحسها الا اهلها. ان ما يطلبه الغرب وما يطلبه الشرق اشياء غير ذلك . اقرأ مقالات لويس برتران عن اسبانيا .. انه قد ادرك كل هذا. فهو يتهم كتاب فرنسا المعاصرين بانهم باهتمامهم باللون السطحي وحده قضوا على اسبانيا ان تظل مجهولة الى الابد لعين فرنسا. وانا ازيد عليه ان كتاب اسبانيا ايضاً من امثال بلا سكوايبانيز ساهموا في هذا التضليل . لقد قيل ان هذا الكاتب الاسباني المشهور كان ذا وجهين : وجه يتجه الى وطنه ينشيء له اعمالاً هي وحدها ذات القيمة الحقيقية. ووجه يتجه الى اوربا فينشيء لها اعمالاً دولية. واوربا للاسف لا تعرف الا هذا الجانب المصنوع لها صنعاً. اذا كان هذا قد قيل عن اسبانيا فماذا يقال عن مصر والشرق؟ ان مهمة كاتب مصري او شرقي لاشق واعسر واكبر من ذلك كله ! ولكن لابد من جهادنا حتى في بلادنا ايضاً. فالاسلوب السليم لم يزل في عرفنا مرادف اللغة المتصنعة المنمقة. وقليل من فطن الى ان الاسلوب هو روح وشخصية . لقد كان مسيو هاب يدعوني الى ترك الكتابة الفرنسية لا لاني لا احسنها . على النقيض . لانه رآني اتكلفها وانمقها واستخدم تراكيب موضوعة وبلاغة محفوظة مما حبس ورحي وسجن شخصيتي في اغلال من الكذب والتصنع . لقد اصاب الحقيقة .لا يخلق الاسلوب الحق الا الكاتب الصادق في شعوره وتفكيره الى حد ينسيه انه ينشيء اسلوباً . البلاغة الحقيقية في الفكرة النبيلة في الثوب البسيط . هي التواضع في الزي والتسامي في الفكر. كذلك كان اسلوب الانبياء في حياتهم.
اني يا اندريه مهتم كل الاهتمام بالتفاتك الحاضر الى الادب وان بحثك وشكك وقلقك لمما يدنك الى نفسي. فمرحياً بك. امض فيما انت فيه . ولا تخش هذا "المرض الضروري" . بل يجب ان لا تشفى منه سريعاً . حبذا لو اتصلت بك وبما تقرأ اكثر من ذلك . ولو اني اتبع اليوم "نظاماً صحياً" أي عدم المطالعة في الادب اطلاقاً . قراءاتي الان قليلة : وفي اشياء اخرى غير الادب، مثل تقارير عصبة الامم ، وسياسة اوربا الاقتصادية قبل الحرب ..الخ
الاسكندرية في...
عزيزي اندريه:
اني الان غارق في الادب العربي. اريد ان ادرس قضيته من اساسها . اريد ان اعيد النظر في امر اللغة العربية -لغتي-واكشف اسرارها واضع اصبعي على مواطن ضعفها وقوتها . هذا الوقت هو خير وقت استطيع فيه ان ارى واميز واحسن الحكم . فلي عينان قد طافتا - منذ امد ليس بالبعيد- بمختلف الاداب العالمية. اني اقرا نصوص هذا الادب في عصوره المتعاقبة بعين جديدة . عين عامرة بالصور ، حافلة بالمقارنات وبنفس رحيمة عادلة صابرة، تلتمس العلل والاسباب وتطيل التريث والبحث قبل ان تصدر الاحكام. قبل كل شيء احب ان اقول لك ان اولئك الذين علمونا اللغة العربية في المدارس الابتدائية والثانوية كانوا يجهلون لا معنى اللغة العربية وحدها بل معنى اللغة على الاطلاق . انك لن تجد مستنيراً في مصر لا يقول لك ان اللغة العربية -للاسف- قاصرة عن التعبير في شتى ضروب العلوم والفلسفة والتفكير العالي. بل منهم من يقول انها ليست لغة تفكير ، انما هي لغة بهرج وتنميق. لماذا ؟ السبب بسيط: هو ان النماذج التي وضعت في ايدينا ونحن صغار لو كتب بها شخص اليوم لاثار سخرية الناس. نعم ... انهم يعلموننا في المدرسة لغة اذا استعملناها في الحياة ضحك منا الناس! منذا يستطيع بعد انتهاء دراسته ان يكتب رسالة على نمط "عبد الحميد الكاتب" او مقالاً او بحثاً او تقريراً على طريقة "الحريري" دون ان يتعرض لسخرية الساخرين؟! ليس من اليسير ان اطلعك او اترجم لك مثل هذا الاسلوب "النموذجي"! ولكني اقول لك انه اسلوب يستخدم اللغة استخدام الجواري للعود في مجالس الانس والسكر بقصور هارون الرشيد. اسلوب غايته قبل كل شيء ان يبهر السمع النائم ويطرب الاذن المسترخية. لست ادري ايجوز ان تجعل لغة من اللغات وسيلة لهو واداة براعة كفنون المغنين والعاب الحواة ام ان اللغة اداة يسيرة لنقل الافكار النبيلة؟ اني افهم ان يضرب مثل هذا الاسلوب مثلاً للضعف والسقم لا للسلامة والبلاغة. فان التكلف ابرز عيوب الفن . كان "جويو" يقول ان الرشاقة في فن الرقص هي اداء الحركة الجثمانية العسيرة دون تكلف يشعرك بما بذل فيها من مجهود . تلك اولى خصائص الاسلوب السليم في كل فن . حتى الحاوي الماهر هو ذلك الذي يخفي عن الاعين مهارته ويحدث الاعاجيب في جو من البساطة والبراءة. لعل الكاتب الوحيد الذي ضربوه للطلاب مثلاً فصدقوا هو "ابن المقفع" في ترجمته لكليلة ودمنة. هذا كاتب تصنع في اسلوبه هو الاخر ولكن بذوق وكياسة. فلم تبد عليه سماجة التكلف ولا ثقل الصناعة. انه ذلك الحاوي البارع ... او تلك الحسناء الذكية التي تطلي وجهها بالاصباغ ثم تمسح اثرها الصارخ ، فتظهر وكأن نضارتها نضارة الاصل والفطرة . ان "ابن المقفع" يجهد في اسلوبه ليخفي اثر الجهد . انه تلك الراقصة الرائعة التي تخفي حركاتها العسيرة فلا تبدو لنا منها الا تموجات رشيقة يسيرة . هذا الكاتب هو على كل حال مثل طيب للصناعة في الكتابة . على انك اذا اردت ان تعرف حقاً جلال اللغة العربية في بساطتها وسيرها قدماً نحو الغرض: فاقرأها عند الفلاسفة والمؤرخين العرب . اولئك عندهم حقيقة ما يقولون . فهم لا يضيعون اوقاتهم واوقاتنا في العبث اللفظي والطلاء السطحي. انما هم يحدثوننا في شئون فكرية واجتماعية واخلاقية دينية في لغة سهلة مستقيمة لا لعب فيها ولا لهو ولا ادعاء . واني لادهش كيف ان مؤلفين مثل ابن خلدون والطبري وابن رشد والغزالي لم يعرضوا علينا قط في دراساتنا للادب العربي بالمدارس ! كيف نعرف لغة بدون ان نطالع فلاسفتها ومؤرخيها ؟ اتستطيع معرفة الفكر اللاتيني دون ان تقرأ سنيكا ومارك اوريل وتيتوس ليفيوس وكورنليوس تاسيت؟! لو انه عرضت علينا صفحة واحدة مع شرحها لكل فيلسوف بارز ومؤرخ مشهور من فلاسفة العرب ومؤرخيهم لتغير رأي اكثر المستنيرين عندنا في اللغة العربية وقدرتها على التعبير عن ارق الافكار واعلاها واعمقها وانبلها .. او ليس بهذه اللغة نقل ابن رشيد وابن سينا اعمق آراء فلاسفة الاغريق الى اوربا المتعطشة للمعرفة؟!انتم معشر الفرنسيين فعلتم ذلك في تدريس الادب الفرنسي . مامن كتاب مدرسي صغر او كبر لا تذكر فيه نماذج من اسلوب "مونتاني" الفلسفي واسلوب "روسو" الاجتماعي و"بوسويه" الديني و "فولتير" التاريخي..بل حتى اسلوب موليير الفكاهي احياناً الى حد التهريج... ذلك ان المدارس الفرنسية ادركت ان تدريس اللغة يجب ان يشمل كل نواحي التعبير فيها... اما قصر تعليمها على نماذج البلاغة اللفظية الجوفاء فهو امتهان لكرامة اللغة وانتقاص من قدرتها على الاداء . في العربية كاتب متعدد النواحي له باع طويل في الجد والهزل هو "الجاحظ". هذا ايضاً لم نقرأ له سطراً في المدارس ... كل كاتب عربي بسيط الاسلوب نافع لنا في الحياة يقصونه عنا اقصاء بحجة انه غير بليغ وياتون الينا بالكاتب الذي لا ينفع في حياتنا الا نموذجاً لاثارة السخرية . حتى الشعر وهو مفخرة اللغة العربية ، الشعر الذي كان يجب ان ترى فيه نفوسنا المتفتحة اول لون من الوان الفن، ماذا انتخبوا لنا منه؟ قصائد المواعظ والحكم ! هنالك حقاً نوع من الموعظة والحكمة يعرف الشاعر الحق كيف يلبسها ثوباً من الصور الحسية والذهنية ترفعها الى مرتبة الفن العالي (كما فعل ابو العلاء والمتنبي والنابغة الذبياني في بعض قصائدهم) ولكن الفرز والتمييز والتخير في هذا الباب يحتاج الى حاسة فنية لا يملكها القائمون بهذا العمل .. حتى الشعر الموسيقي والشعر التصويري الذي عرضوا علينا بعض نماذجه ( في اعمال البحتري وابن الرومي على الاخص) لم يكن من خير اثارهما ..ليس كل شعر فناً عالياً لانه يعظ او يصور او يرنم ... فالشعر الحق هو شيئ ابعد كثيراً من مجرد اصابة الاهداف الظاهرة او تحقيق الاغراض المباشرة . بل ربما انحط شعر في عرف الفن العالي لانه اقتصر على صياغة جكمه او يتوسل بهذه الاشياء لبلوغ مارب اسمى : هو الارتفاع بالناس الى سحب لا تبلغ ، والرحيل بهم الى عوالم لا تنظر . هو ان يريهم من خلال كلماته البسيطة ووسائله البادية اشياء لم تكن بادية ولا طافية في محيط ضمائرهم الواعية . هو ذلك السحر الذي يوسع ذاتية الناس فيرون ابعد مما ترى عيونهم ويسمعون اكثر مما تسمع آذانهم ويعون اعمق مما تعي عقولهم . هذا هو الشعر. وهذا هو المقصود من كلمة الشعر في اطلاقها على كافة الفنون . مامن فن عظيم بغير شعر. أي بغير تلك المادة السحرية التي تجعل الناس يدركون بالاثر الفني ما لا يدركون بجواسهم وملكاتهم ...
لقد اثقلت عليك يااندريه بهذا الحديث في موضوع لا يعنينك كثيراً ، ولكن من غيرك ابثه كل خواطري؟ تحمل..
دسوق "غريبة" في...
عزيزي اندريه :
وااسفاه!... مضى عام وانا لم ازل في انتظار رد منك ، رد صغير ينبئني بان الحبل بيننا لم ينقطع . يظهر انه انقطع . ذلك الحبل الذي كان يربط احدنا الى الاخر ونحن هائمان في جليد ذلك القطب الفكري المرتفع. ترى اين انت الان؟ اتركتني وحدي وذهبت عائداً الى المجتمع ؟ هل فعلت ذلك؟ اما انا فاني اقاوم بكل ما لدي من قوة وعزم . اني اكتب اليك الان من مدينة ضغيرة على النيل تدعى دسوق. هي مع ذلك مركز من اهم مراكز القطر . لقد اسندوا الى اعمال نيابتها ، فوجدت نفسي امام عمل هالني من الكثرة والخطورة . ان قاضي المحكمة لا يقيم في المدينة . فهو يحضر جلستيه ويذهب . وبهذا صرت انا الرئيس المسئول عن شئون النيابة والمحكمة معاً . لقد تبين لي بعد اسابيع قليلة اني الرئيس المتصرف في هذه المدينة كلها . فالبوليس والادارة والصحة والهندسة والري والزراعة، وكل فروع الحكومة المختلفة تصب مشاكلها بين يدي. حتى فيما لا يقع تحت طائلة القانون وما يكتفي فيه بالنصح والارشاد والمصالحة والتوفيق واقرار النظام بالحسنى. كل ذلك يحتاج الى رأيي ولكلمتي فيه المقام الاول . لقد شعرت جقاً بعبء المسئولية فدفعني ذلك الى العمل المضني . لقد وضعت نظاماً دقيقاً للعمل لا انحرف عنه قيد شعرة . اني اعمل نهاري كله من الصباح حتى الثانية بعد الظهر ومن الرابعة حتى السابعة . فاخرج للنزهة ساعة فوق جسر النيل . تلك هي الساعة التي تسمح لي فيها تبعاتي ان اتحرر قليلاً لاعود الى نفسي وذكرياتي . ففي تلك الساعة الهادئة اسير وحدي فوق الجسر اتامل الامواج في اصطفاقها الخافت فتلعب في رأسي الافكار القديمة من جديد . افكار الادب والفن . فالتفت حولي حرصاً عليها من مفاجيء فلا ابصر غير الخفير النظامي يحمل بندقيته ويتبعني من بعد ليبلغني بما يرد من اشارات مستعجلة. حتى اذا خيم الظلام عدت الى مسكني فتناولت العشاء ثم نظرت في بعض ملفات القضايا . ثم اويت الى فراشي في انتظار ازعاجي نصف الليل ببلاغ عن وقوع جناية . لقد احصيت عدد الليالي التي انتقل فيها الى حوادث جنائية في هذا المركز . فاذا هي في المتوسط خمس ليال . أي اني لا اظفر باكثر من ليلتين في الاسبوع اقضيهما نائماً في فراشي كما ينام الآدميون . اني اؤدي واجبي وانهض باعباء عملي القضائي بامانة وهمة واستقامة الحظ اثرها الحسن في مكاتبات الرؤساء الرسمية. انهم يثقون في تصرفاتي ثقة تملؤني فخراً . هل كنت يااندريه تتوقع نجاحي كوكيل نيابة ؟ ولا انا ما كانت اتوقع لنفسي ذلك . لقد ثبت لي اني رجل امين لا يعرف الغش في شروط اللعب . اني في الفن كنت الفوضى بعينها . ولكني في عمل القضاء انا النظام بعينه بل اني مبالغة في الغيرة على سمعة هذا المنصب لا اختلط بالاعيان ولا برجال الادارة ولا باي شخص اكثر من الاختلاط الذي يدعو اليه العمل الرسمي. لطالما سمعت باخبار زملاء قضائيين - لم يتصلوا يوماً بفن ولا بفنانين- ومع ذلك لم يبالوا ، فكانت لهم في مراكز اعمالهم سهرات "بوهيمية" ومغامرات نسائية . تركت اثراً في صحائف خدمتهم لا يمحى . اما انا فصحيفتي نقية بيضاء...ولقد التقيت ذات مرة بالنائب العام فقال لي انه يعدني من خيرة وكلائه عملاً واستقامة وسمعة . فانا اذن يااندريه كما ترى . اسير بخطى ثابتة نحو الاطار النهائي الذي يريد ان يحبسني فيه المجتمع .ماذا بقى لي من الفن والفنان بقبعته السوداء ذات الاطار العريض ؟! كنت منذ اشهر بالقاهرة فقابلني احد زملاء الدراسة الذي يشتغل الآن بالتجارة ، ولا يعرف من امري شيئاً . فما ان اتفرس في وجهي وهيئتي حتى قال لي : "ماذا تعمل في الحياة؟ لابد انك من رجال القضاء؟!" فدهشت وسألته: "كيف عرفت؟" فقال لي : "شكلك وهيئتك وسيماؤك"! عجباً. اهكذا المهنة قد طبعتني بطابعها ورن عندئذ في اذني صوت "ايما دوران" يوم قابلتني اول مرة وتفرست في وجهي قائلة لي : ماذا تعمل ؟ لابد انك فنان في مونمارتر!" واسفاه. مات ذلك الفنان وحلت روحه في جسد رجل قانون ! اترى الفنان يااندريه يبعث من مرقده يوماً؟ ولكن كيف؟ كيف لي ذلك هاهنا. كيف يحدث ذلك لقضائي منظور اليه نظرة الرضا والاحترام . كيف السبيل الى الفن الان. والمجتمع كما ترى قد هيأ لي مكاناً في احضانه لا استطيع منه فكاكاً. اندريه اخشى ان يحطمني المجتمع . يحطم الفنان في . ربما كان قد حطمني وكسرني ولكني اقاوم. منذ اسابيع وانا اتلقى من اهلي خطابات يغرونني فيها بالزواج . ويذكرون لي اسماء لامعة في الثروة والجاه ويتهمونني بالحمق والغفلة والعته اذا خامرتني فكرة الرفض ويظهر ان كل شيئ قد اعد . وان اصحاب هذه الاسماء قد قبلوا . فالمناصب القضائية-شانها في مصر شان فرنسا- مزيتها الكبرى هي سعرها الممتاز في سوق الزواج . فماذا تقول في ذلك ؟ المهم انهم ينتظرون قبولي. يكفي يااندريه ان الفظ كلمة "نعم" ليضع المجتمع اصفاده في يدي الاخرى الطليقة، ويجرني نهائياً الى المصير المحتوم . لقد قلت لهم " لا" باعلى صوتي ، وهم مشدوهون لا يعرفون السبب. "لا" ، تلك هي الصيحة الاولى لمقاومتي اليائسة ، يجب ان اقاوم وان اجاهد . اارضى ان تطويني الحياة وترغمني على ما لا اريد؟ فيم كان اذن جهادي الطويل في سبيل الفن؟ فيم كانت الاعوام الطوال التي انفقتها قراءة واطلاعاً وتحصيلاً وتكويناً وممارسة لالوان الفن وانواع العلم وفروع المعرفة . لقد اردت ان اكون كاتباً وسأكون ، ولكن ، ولكن كيف ياصديقي اندريه؟ اني اخط اليك هذا السؤال بصوت مرتفع في سكون هذا الليل تحت هذا المصباح الضئيل المستيقظ انتظاراً لجرائم الناس. كيف السبيل يا اندريه؟ انك تعلم اني عملت وجهدت لامتلاك ناصية فني. ولم اكتف ببدايتي الاولى منذ عشر سنوات فتناسيتها وانطلقت من جديد اكتب وامزق واكتب وامزق . ولم يسلم من التمزيق اخيراً سوى المخطوطات التي حدثتك عنها . اظن اني قد اعددت نفسي اعداداً كافياً ، واظن اني قد جاوزت السن التي يحسن فيها باديب وفنان ان يغرس قدمه في ميدان فنه ، ويعرض ثماره على اهل وطنه . ولكن مع ذلك ، انا في شك يا اندريه . من ادراني ان فني يستحق النشر الان ؟ لم لا تقول اني متسرع . لطالما تسرعت من قبل . الا يحسن بنا التريث؟ قد تسالني الىمتى؟ لست ادري الى متى. ان الفن حقاً طويل. واذا تريثت اكثر من ذلك فسأظل طول حياتي اتريث واتشكك. ولكن من جهة اخرى اذا اخرجت للناس شيئاً تافهاً ، فماذا يكون جوابك؟ ان الانتظار الى آخر العمر لاهون على نفسي الان من احراج عمل فني ناقص. اني لم اعد الشاب الطائش الذي كنت تعرفه في باريس . اني اكره العجلة وابغض النشر لمجرد النشر. واقدس الفن حقيقة. وانزه أي عمل فني عن الظهور مادمت ارتاب في امره بعض الارتياب. كلا. فلنبق كما نحن ياسيدي. وحسبي ان انظر في مخطوطاتي من حين الى حين. لاستخرج في كل مرة نقصاً جديداً . قد تدهش اذا قلت لك اني صححت وعدلت وبدلت في كل مخطوطة. وقمت بتبييضها ونسخها بنفسي اكثر من اربع مرات . اجل يااندريه. لكل مخطوطة عندي كبرت او صغرت اربع نسخ مختلفة بخط يدي. على اننا اذا طرحنا جانباً مسالة النضج الفني لعملي وهل تم او لم يتم؟ ومسالة الاقدام او التريث وايهما الاصوب؟ ومسالة الثقة او الارتياب وايهما الارجح. فان هناك مسالة اخرى يجب ان لا تغيب عن خاطرك: المجتمع الذي حولي الان. كيف السبيل الى الخروج من اطاري القضائي؟؟ كيف انشر فناً دون ان اتعرض لسخرية الزملاء وخيبة امل النائب العام وفجيعة الاهل والخلصاء؟ آه يااندريه معذرة. اني افكر الان تفكيراً سخيفاً . هذا كلام غير خليق بفنان! ولكن هل انا فنان؟ اتراها القبعة السوداء هي التي كانت تملأ رأسي بهذه الاوهام! لقد خلعتها كما تعلم منذ زمن بعيد. وهاانذا اليوم اتشح بالوسام الاحمر الاخضر. ولم اعد اسمع احداً ينعتني بالفن .ربما قلت لي" يكفي ان تصغي الى الصوت الصاعد من اعماق نفسك! اجل يااندريه. ولكن نفسي الان ينخر فيها الشك. وما عدت اصدق لها كلاماً؟ واخجلاه! لست ادري كيف يتكلم هذا الكلام رجل يتشبث بالفن. حقاً. يجب ان اؤمن بالفن. الايمان بالفن هو التعويذة التي تفتح لي الطريق. اني اؤمن بابولون. اؤمن بابولون اله الفن الذي عفرت جبيني اعواماً في تراب هيكله. انه ليعلم كم جاهدت من اجله وكم كافحت وناضلت وكددت! باسمه اخوض المعركة الكبرى وانازل كل مجتمع وكل حياة وكل عقبة تحول بين وبين فني الذي منحته زهرة ايامي التي لن تعود. [/align]