لا أعرف ترى هل حلّ فصل النسيان على بلاد قلبي ؟
جوَّه دائم وطقسه أبدي.. هذا ما يبدو عليه
حرارة التفكير لسعت وجهي
وضعت يدي على خدي الذي كان يشتعل تعباً
سمعت صوتاً يناديني بإصرار
فالتفت إلى أخي الصغير الذي كان يقفز فرحاً مصوّباً يده تجاه شاشة التلفاز
اقتربت من أخي، وضحكت على تصرفه الغريب وسألته عما يريد؟
نفخ وجهه وأمسك يدي وشدَّ قميصي
ضحكت أكثر وصحت به: تكاد تمزق القميص!
تكتّف بطريقة غاضبة وزمَّ شفتيه
وبعدها بثواني أشرّ للتلفاز
سألته: ما به التلفاز؟
فاقترب من الشاشة وأشار لصبي يرتدي قبعة خضراء لها ريشة طويلة وبنطالاً أخضر ضيق وكان الصبي يطير في السماء
ابتسم أخي ابتسامة المنتصر وصاح بمرح: بيتر بان!
فأدركت أن بيتر بان قد سحر أخي، كما سحرني من قبل...
أغمضت عيناي واسترجعت ذكريات مضت
مازال قلبي يمارس طقوس الطفولة تحت خيمة المتعة
منذ ثلاثة عشر عاماً
في طفولتي
بدأ خيالي مع بيتر بان بالتحديد
تعجبت وقتها، كيف لهذا الصبي القدرة على الطيران في الجو، دون أجنحة يملكها أو طائرة يصعد إليها
كنت أعتقد
أن أذناه الطويلتين جميلتان وأن له ابتسامة ساحرة (( كان كذلك حينها ))
عندما كنت أصدق بأن القمر يسمع حديثي، كنت أخرج ليلاً وأتحدث مع القمر وأخبره بأن أبي قبل أن يخرج أخبرني بأنه ذاهبٌ للقمر، ولقد وعدني منذ سنة بأنني سأزور القمر، ولكن مرت السنة ومازالت على الأرض!
بعدها أنظر ليمين القمر، وتتسائل نفسي هل سيأتي بيتر بان؟
أرض الأحلام هي ثانية نجمة من اليسار على يمين القمر
هذا ما ينطق به بيتر بان دائماً
هل سيهبط علي، ويأخذ بيدي ويطير بي إلى أرض الأحلام؟
يمضي الوقت، وأنا أتخيل بأن بيتر بان هو أعز أصدقائي وأنه إن لم يأتِ اليوم سيأتي غداً بلا شك
قطعت الأيام خط الزمن، ومضت ولم يأتي بيتر بان ليأخذني إلى أرض الأحلام وكبرت حينها وكبر خيالي ولم يتحقق الثلث منه!
***
دخلت للغرفة شقيقتي الصغرى وفي يدها تفاحة حمراء
وأخذت تقضمها وهي تحدق في الشاشة
وانتقلت حدقة عيني تصوّر هذه التفاحة
فتذكرت " سنو وايت "
في صغري، لم أحب هذه الشخصية بمقدار ما عشقت تفاحتها الحمراء
فلقد كنت أفرح عندما كنت أرى كيف كانت زوجة الأب الشريرة تقوم بغمس التفاحة في قدر السم
وتخرجه من القدر وهي تضحك بطريقة تثير الاشمئزاز وأسنانها السوداء تتجلى تحت أنفها المعقوف!
أحببت هذا الاحمرار المميز
ومع أنني كنت أحب التفاح الأخضر، إلا أنني أرغمت نفسي على حب التفاح الأحمر من أجل سنو وايت
ولهذا في كل يوم كنت أخذ من الثلاجة تفاحة حمراء وأقوم بقضمها وأمثَّل أمام صديقتي المرآة أنني بياض الثلج
فكنت أسقط عنوة وأراقب حركة يدي عند هبوطها على أرض خيالي وكيف تتدحرج التفاحة المقضومة حتى تصل إلى المرآة
فحينها تدخل أمي غاضبة وتصرخ فيَّ أن تفاح المنزل لا يؤكل بل يُقضم ويرمى!
حينها أكون قد قفزت من مكاني وأطلقت العنان لساقي وأسأل نفسي: لِمَ لا أهنأ بتفاحتي؟؟!
تمضي الأيام وأعشق التفاح
والآن لا أكتفي بقضمه بل التهم التفاحة كاملةً ولكن يبدو أنني تأثرت بزوجة الأب،
فمن عادتي اليومية الوقوف أمام المرآة وسؤالها: من هي أميرة الخيال؟
فتجيبني خواطري: أنتِ.....................أميرة الخيال!
***
يقوم أخي الصغير بالصعود على الكرسي ومنه للطاولة ويضغط على الزر ويقوم بإدخال شريط
وإذ بتلك اللعبة الخشبية ترقص أمامي على مسرح الشاشة
" بينوكيو "
نعم............ حينها صدقت بأن للدمية قدرة على الحياة، وتعلمت أنني عندما أكذب فإن أنفي سيطول ويطول، وحينها سيكتشف الجميع كذبي
وسيبقى أنفي طويلاً مدى العمر!
فهمت بأنه يتوجب علي الابتعاد عن الثعالب، فهي ماكرة وستأمرني أن لا أذهب للمدرسة
وقبل نهاية الفيلم، تمنيت لو أقابل حوتاً ضخماً حقيقياً
حتى أستطيع قتله والانتقام لبينوكيو ووالده العجوز
في الواقع، حسدت بينوكيو على شيء....................
والده، كان بائع دمى، ويمتلك ألعاب كثيرة....
أتذكر أنني طلبت من والدي أن يغيّر عمله، وأن يبيع الدمى في محلٍ فقير على رصيف أفقر في قرية صغيرة
ضحك أبي وهز رأسه موافقاً
مضت الأيام....... ولم يبع والدي الدمى...... وكبرت..... ولم أرى الحوت.......
وجربت الكذب بعض الأحيان ونسيت عِبرة الأنف الطويل!
***
ثار أخي وقفز للطاولة واخرج الشريط وأدخل الثاني..
فتراءى أمام ناظري ذاك الأحدب، الذي يقوم بقرع أجراس كنيسة نوتردام
أتذكر أنني تعجبت، هل يوجد أشخاص بهذا الشكل؟ وكيف استطاع هذا الإنسان أن يعزل نفسه عن الناس لمدة قد تزيد على العشرين عاماً!
أحببت الغجر، وعندما أخبرت أصدقائي أن حياة الغجر لها ميزة، ضحكوا علي وأخبروني أنهم مجرد جماعات متشردة، لا وطن لهم ولا منزل..
مساكنهم الخيام، ورزقهم خير السرقة، وعروضهم قد تنفع وقد تقضي..
لم أهتم بحديثهم، بل أحببت " ازميرالدا " وتمنيت أن يأتي يوماً وأرتدي لباس الغجر وأن أقضي يوماً واحداً بينهم
ومضت الأيام، ولم أقابل غجرياً واحداً..... وكبرت، واكتفيت أنه في كل عام في الحادي والثلاثين من أكتوبر وفي عيد التنكر، إن قام أحد برسم استفهام ماذا ترتدين
ابتسم وارسم الإجابة:لباس الغجر!
***
يشعر أخي بالزهو عندما يلاحظ أنني أراقب ما يفعله، فيقوم بفخر بإخراج الشريط ويدخل التالي
فتظهر أفضل شخصياتي التي عشقتها
" آريـــــل "
حورية البحر، ذات الشعر الأحمر الطويل، والصوت الآسر العذب
أسطورة الحوريات
كانت بالنسبة لي حقيقة....
بفضلها وقعت في حب البحر، وتمنيت لو أتحول لحورية تسبح تحت الماء
وتعجبت لِمَ كانت تريد أن تصبح إنسانة؟؟
فالحوريات أفضل، وعملية التنفس تحت الماء ليست بالصعبة
عشقت "آريل" كثيراً، فقمت بشراء أقلام وحقائب وملابس تحمل صورتها
وعندما كان والدي يأخذني للشاطئ كنت أقترب من الصخور وأراقب البحر وأصيح باسمها
وأصيح بكل سذاجة اخرجي، فلن أخبر أحد أنكِ هنا، سيكون سراً بيني وبينك
تمضي الأيام، ولا تخرج أي حورية لي...،، وكبرت ...... ومازالت أتمنى أن أتحول لحورية تعيش في البحر كآريل تماماً!
***
عملية التبديل مازالت تعمل بواسطة قفزات أخي الآلية
فصاح أخي بي: علااااااااااااااااااء الديـــــــن!
ضحكت كثيراً وقلت له بسعادة:
علاء الدين!
.
.
.
منه شعرتُ بمعنى الصحراء
تمنيت لو يرسل لي بساطه السحري، حتى أستطيع زيارة بغداد
فهناك، ربما يبيعون المصابيح السحرية، وقد أحصل على جني يحقق لي أمنياتي
تساءلت وأنا صغيرة: الأغبياء! يتمنون الأمنيات الثلاث بأكملها، لو كنت مكانهم لطلبت من الجني أمنية بسيطة وهي: يتوجب عليك أن تحقق جميع أمنياتي بلا عدد محدد!
فما الضرر لو حلّقت إلى أرض الأحلام؟ وما الضرر لو تمنيت أن أحصل على تفاحة حمراء غير مسمومة؟ وما الضرر لو ملكت متجراً للألعاب؟ وما الضرر لو رقصت مع الغجر؟ وما الضرر لو طعنت نفسي بخنجر من أجلٍ حبيبٍ إنسي؟
***
تأفف أخي بضيق، وجرى نحوي بسرعة هائلة وصدمني بقوة
فانفجرت فقاعة الطفولة
تأوهت، وشعرت بالألم
نظرت للأعلى بسرعة ولمحت آخر فقاعة تنفجر
وأصدرتْ الفقاعات انفجاراً فقاعياًً يفجر أمامي: كنتِ طفلة
نظرت لأخي الذي كان يشتعل غضباً، قرصت وجنته
وابتسمت له
ضحك فجأة وجرى نحو الطاولة وأخذ يبدَّل الأشرطة من جديد
بعدها وكأنه تذكر شيئاً، فتح الدرج وأخرج كراسة الرسم