في الذكرى السنوية لحرب السادس من أكتوبر
في إسرائيل يرون، في مراجعاتهم المتواصلة، دون خطوط حمراء، أن حرب أكتوبر 1973 كان يمكن أن لا تقع لو أظهرت حكومة غولدا مائير إستعداداً للتسوية السياسية مع مصر ولو أن إدارة نيكسون كيسينغر مارست القليل من الضغوط على إسرائيل في ذلك الزمان.
تقول الرواية المنشورة: ان السادات أرسل مستشاره للأمن القومي حافظ إسماعيل إلى واشنطن، للتباحث في إمكانات تحريك المياه الراكدة في المنطقة، وتحريك قنوات التسوية السياسية، وتواجه في لقاءاته في العاصمة الأميركية بتجاهل غير عادي، حّدثوه عن أحوال الطقس وأمور أخرى دون أن يظهروا أية جّدية ودون أن يلمسوا التفاعلات الصاخبة تحت السطح، بأن مصر (ومعها سوريا)، لا يستطيعان قبول الوضع الراهن (آنذاك)، وأنهم يستعدون لحرب: تحريرية أو تحريكية،وكانت المفاجأة التي أذهلتهم جميعاً يوم إجتاز المصريون خط (بارليف) رئيس الأركان الأسبق، بسهولة أكبر من تلك التي إلتف فيها الحلفاء على خط (ماغينو) في الحرب العالمية الثانية.
في الأيام الأولى للحرب، حين بدا أن إسرائيل قد تواجه هزيمة عسكرية، قبل بدء خط إمدادت السلاح الأميركي إلى جبهة القتال مباشرة، في حادثة فريدة في التاريخ، حين بدت ملامح هزيمة عسكرية، تّم تبادل ودراسة وجهتي نظر في إسرائيل: الأولى تنادي بالإنسحاب إلى خطوط الرابع من يونيو 1967م للدفاع عن حدود الدولة، قبل أن يتحطم السلاح الرئيسي، وقيل في صحفهم، إنّ غولدا مائير كانت على أبواب التوجه للإذاعة لإعلان ذلك.
أما وجهة النظر الثانية، المتشددة، فقد رأت إمكانات إستخدام السلاح النووي، وذلك ما يهمني أساساً في هذا المقال. قيل إنهم أخرجوا اثنتي عشرة قنبلة نووية من مخابئها، ثم جاءت (ثغرة الدفرسوار) التي أقامها شارون، وبنى مجده عليها حتى يومنا هذا، وتمكن برأس الجسر الذي نجح في إقامته من تطويق الجيش المصري الثاني وفصل الجيشين: الثاني والثالث، ثم تغير مسار المعركة العسكرية وإنكشفت بعض عواصم العرب أمام جحافل الغزاة. في هذه الأيام، والشيء بالشيء يذكر، ثمة قراءات جديدة لثغرة الدفرسوار التي إعتبرناها نحن خارج أرض المعركة، قمة الإنجاز العسكري.
يقول الخبراء والإستراتيجيون في أمور الشرق الأوسط في الولايات المتحدة الأميركية: إنه من الصحيح أن هناك أسلحة دمار شامل في العديد من الدول، وهناك، ربما، سلاح نووي في إسرائيل، ولكن لا أحد يهّدد بإستخدامه، بينما قامت بغداد بإستخدامه فعلاً ضد شعبها، وقد سبق أن تحدث بذلك طارق عزيز علناً حين قال رداً على سؤال حول هذا الموضوع بأننا نستخدم كل سلاح متوفر ضد أعدائنا وخصومنا. كنت في بغداد مع أبو عمار وهاني الحسن وآخرين آنذاك، وتوقعنا إقالة عزيز في نفس الليلة، لكن شيئاً من ذلك، لم يحدث بالطبع.
في 25/8/2002م كتب مائير شتيغليتس في صحيفة (يديعوت أحرونوت)، بأنه إذا حدث هجوم على إسرائيل فيجب أن لا ترد بسلاح نووي على الفور، فهناك وسائل عديدة أخرى، منها إنهاء سياسة (الغموض النووي)، أي الإستخدام المباشر للتهديدات النووية، وفي مجال الردع من الممكن عرض أدوات نووية بصورة تستطيع المخابرات الأجنبية إكتشافها، وإرسال تلميحات لكل ذي صلة بالأمر مثلما فعلنا، حسب أنباء أجنبية، في حرب يوم الغفران (حرب أكتوبر).
ثمة إعتراف إذن ولو أنه مازال في إطار الكتابات الصحفية بأن إسرائيل كانت على إستعداد للتهديد بالسلاح النووي، ثم إستخدامه إذا لم ينفع التهديد. الصحيفة تنسب الأمر لأخبار أجنبية، وذلك لأن الرقابة العسكرية في إسرائيل تدقّق في مثل هذه الأخبار وتمنع نشرها، خلافاً لما يعتقده بعض الصحافيين في بلادنا، من أن كل نشرٍ مباح بإسم الديمقراطية، ثمة حدود يفرضها الحفاظ على الأمن القومي في كل بلد. قبل أيام، منعت الرقابة العسكرية في إسرائيل نشر خبر تفصيلي يتعلق بأمر فلسطيني حساس جداً، ولا أستطيع أن أتوسع في الموضوع، ولهذا تقوم الصحافة الإسرائيلية بنسبة الأخبار المأخوذة من مصادرهم إلى صحف أجنبية، تفادياً للرقابة. قبل أيام نسبوا في يديعوت أحرونوت: الصحيفة الأكثر إنتشاراً في إسرائيل أخباراً عن وجود مجموعات كوماندوز إسرائيلية تعمل في غرب العراق H2 لكنها نسبت الخبر إلى مجلة (فورين رببورت) البريطانية ذات الصلة بقضايا الأمن والإستخبارات وهو منشور في الصحيفة الأسبوعية بالفعل، لكنهم لا يستطيعون نشر (الخبر) لو كان مصدره إسرائيلياً مباشراً.
يتضح إذن، ولو بشكل أولي، أن إسرائيل، خلافاً لرأي الإستراتيجيين في واشنطن، كانت على إستعداد لإستخدام سلاح نووي، دفاعاً عن إحتلال وحين لم يكن وجود الدولة العبرية مهدداً. دعونا ننتظر الوثائق ـ التي سيتم الإفراج عنها في العام القادم ـ بعد ثلاثين عاماً من الحرب، لنرى إن كنا سنتعرف إلى هذا الموضوع الخطير، من خلال الوثائق، رغم أن هذا الإحتمال ضئيل، إذ تبقى الوثائق السرية جداً خارج نطاق العلنية لخمسة وسبعين عاماً في كثير من الحالات.
الأمر الثاني الذي أوّد الإشارة إليه في ذكرى حرب أكتوبر، أنهم في إسرائيل فتحوا نقاشات علنية حول (التقصير ـ المحدال) كما سمّوه، ولم يعبأوا بشماتة العرب وهم يترجمون ما نشرته لجان التحقيق لديهم من (تقصيرات)، لكنهم خرجوا أكثر قوة ومعافاة، بعد أن خلّصوا، لبعض الوقت، الشرايين السياسية من كل الشحوم السامة.
في بلادنا من يجرؤ على ذلك؟ في ساحتنا الفلسطينية نقوم بالمراجعة القاسية في الغرف المغلقة بإحكام، حين نتأكد أن الطيور قد نامت ملء الجفون، خوفاً من أن يظهر من بينها حمام زاجل بالمصادفة وينقل الرسائل لأصحاب السطوة والسلطان.
وفي بلادنا العربية نحّول الهزائم إلى إنتصارات دون أن يرمش لأحد جفن. نقوم بذلك منذ زمن طويل، وجاءت الفضائيات للترويج لكل ما هو (حربجي) و(عنتري) و(لا عقلاني)، لتجعل المهمة أكثر سهولة ورونقاً. وإن كانت أمامنا هزيمة كبرى (مثل حرب يونيو 1967م)، فإننا نعتبرها نكسة ونكسة فقط. وحين نكون أمام هزيمة وطرد للسكان وإحتلال طويل للأرض. نسمي ذلك (نكبة) أي عمل خارج عن إرادتنا مثل الفيضانات والزلازل إنها تقود إلى نكبات أيضاً.
لن نتقدم شبراً واحداً للأمام، ما لم نمتلك الجرأة للتوقف عن خداع الذات وعن المبالغات الأسطورية، وما لم نقم بتسمية الأشياء بمسمياتها، وما لم نراجع تاريخنا وحاضرنا، بأفق نقدي قاسٍ، وما لم نسائل البديهيات والمسلمات ونهزها بعنف. هكذا فعلت كل الأمم حتى تمكنت من تجاوز واقعها والدخول في مركب التقدم والرخاء.
توفيق أبو بكر
مدير مركز جنين للدراسات الاستراتيجية
jcss@index.com.jo