نعم ..... إنها تختلف بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا ( محمد ) وعلى آله وصحبه أجمعين .....
وبعد :
فإن الكثير منّا عند قراءته القرآن فإنه يقرأه قرآءة مارةً عابرة , دون التفكير فيه أو تدبره , وكثير منّا ( أيضاً ) إذا قرأ القرآن فإنه يجد آيات تتشابه في ظاهرها , ولكنّها تختلف تماماً في مضمونها ومعناها وسأورد بعض هذه الآيات وشرح الفرق بينها إن شاء الله لنتدبر القرآن ونقف عند جميع آياته .
وأطلب من جميع إخواني في المنتدى أن يشارك في هذ1 الموضوع وإن كان فقط بذكر هذه الآيات والسؤال عن معناها والفرق بينها وإن شاء الله نحاول الإفادة قدر المستطاع , وذكر هذه الآيات التي تبدو متشابهة ولكننا سنحاول جميعاً المساعدة بقدر المستطاع لبيان أسرار القرآن وإعجازه ومن كانت لديه أي معلومة عن هذا الموضوع فنرجوا إفادتنا به ونسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتكم جميعاً إنه سميع الدعاء ......
1- قوله تعالى : )يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيه, وأُمِهِِ وأبيه , وصاحِبَتِهِ وبَنيه ) (عبس:34) , وقوله تعالى : )يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيه , وصاحِبَتِه ِ وأخِيهِ , وفَصِيلَتِهِ التِي تُؤِيهِ ) (المعارج:11) :
ففي الظاهر ان المرء يوم القيامة يفر او يفتدي , ولكن لماذا جاء الفرار من الأخ ثم الأم ثم الأب ثم الزوجة ثم الأبناء ؟ وبالمقابل جاء الإفتداء أولاً بالأبناء ثم بالزوجة ثم بالأخ ولم يذكر الأب أو الأم ؟.
ففي الأية الأولى كان الفرار من أبعد المذكورين قرباً من المرء قد يستغرب البعض كيف أن الأخ هو أبعد ؟, لأنه إذا كبر المرء وتزوج أبتعد عن الأخ ( ليس بشكل كبير لكنه أكثر من الباقين ) ثم بالأم وقدم الأم على الأب لأن الأم الكثير من الناس تكون رابطتهم بأماهتهم في الصغر ولكن في الكبر يكون التعلم والمصاحبة من قبل الأب أكثر من الأم , وبعد ذلك جاء بالزوجة , لأن الإنسان إذا كبر كان زوجته أحب شخص إليه , فإذا جاءه الأبناء كانوا أحب إليه من الدنيا وما عليها لذلك فالفرار منهم يكون أخيراً لأنه يحاول في ذلك اليوم أن يحميهم قدر المستطاع لأنهم أحب شيء إليه ولكنه إذا أضطر للفرار يكونون هم أخر من يفر منهم لأنه يريد أن يحميهم في نفس الوقت .
أمّا في الأية الثانية فالأمر يختلف , لأن أول من يقوم بإفتدائهم هم أولاده لماذا ؟ , لأنهم أقرب الناس إليه ؟؟؟؟؟ وذلك بياناً من الله ( عزّوجّل ) لهول ذلك اليوم الذي يود المرء ان يفتدي نفسه أولاً ببنيه وهم أقرب المذكورين إليه . ثم تأتي الزوجة فهي أكثرهم قرباً بعد الأبناء فيفتدي بها أيضاً , ثم يأتي الأخ وهو أبعد المذكورين , ولكن لم يتم ذكر الأب او الأم , لماذا ؟؟؟ وذلك لأنه سبحانه وصى في كتابه العزيز بالأب والأم حين قال : (وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (العنكبوت:8) لذلك لم يذكرهما في الإفتداء لأنه هل يكون جزاء تربيتهما لك وتعبهما عليك وسهرهما على راحتك أن تفتديهما بنفسك ؟ فهي بيان من الله ( عزّ وجّل ) لعباده بمنزلة الأب والأم وأهميتها .
2- قوله تعالى : )وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) (البقرة:48) , وقوله تعالى : )وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) (البقرة:123):
ففي هاتين الآيتين البداية متماثلة ولكن الإختلاف في الجزء الأخير ففي الأية الأولى قال تعالى : ( لا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ) ولبيان ذلك أقول أنه لوجاءت الشفاعة فهي لن تؤثر على العدل لماذا ؟ لأن الشفاعة تأتي دائما قبل الحكم ( أي العدل ) لذلك لا يقبل منها الشفاعة فإذا لم يقبل منها الشفاعة تحاول بالعدل فكذلك يوم القيامة تحاول أن يؤخذ منها عدل ولن يؤخذ منها كذلك .
أما في الأية الثانية وهي قوله تعالى : ( لا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ) فقد جاء بالقبول من العدل أولاً ونفاه فإذا نفي العدل أنتهى الأمر كله , لماذا ؟ لأن العدل هو الذي يحكم وبعدها قال تعالى : ( لا تنفعها شفاعة ) ولن ينفعها شفاعة أيضاً لماذا ؟ لأن الأمر كما قلنا إذا جاء العدل نفي أي شيء أخر فلن تنفع هذه النفس الشفاعة لأن العدل أصلاً لن ينفعها فكيف بالشفاعة ؟ .
ولبيان هذا الأمر أضرب مثالاً ( ولله المثل الأعلى ) فلو فرضنا أن هناك ملكاً جاءه متهم ليحكم عليه فجاء في بداية المحاكمة رجل واستشفع في هذا المذنب ولكن الملك لم يأخذ بشفاعته , ولكن بعد الشفاعة سيقوم بالحكم وهو العدل فذلك قوله تعالى : ( لا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ) , وإذا قلنا أن هذا الملك جاءوا له بمذنب آخر ولم يكن هناك من يشفع له فإن هذا الملك سوف يحكم عليه الحكم وينفذ الحكم ولكن بعد الحكم جاء رجل يشفع لهذا المذنب فقال له الملك لا تنفع الشفاعة بعد الحكم فذلك قوله تعالى : ( لا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ) .
3- قوله تعالى : ) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)(الأنعام: من الآية151) , وقوله تعالى : )وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً) (الاسراء:31).
ففي الأية الأولى جاء قوله تعالى : ( نحن نرزقكم وإياهم ) وذلك لأن بداية الأية كانت ( ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ) , ( والإملاق هو الفقر ) فقد جاءت بحرف الجر ( من ) أي أن الفقر حاصل وواقع الأن أي أن هذه العائلة في حالة من الفقر الأن , فالله سبحانه وتعالى يقول ( نحن نرزقكم وإياهم ) لذلك فقد قام بطمئنة الآباء على أنفسهم أولاً ثم أتى بالأطفال أي لا تخافوا سوف نرزقكم قبل هؤلاء الأطفال حتى لا يقتلوا أولادهم فلذلك جاء برزق الآباء أولاً حتى يطمئنوا على أنفسهم .
أما في الأية الثانة فالوضع مختلف فهي قوله تعالى : ( نحن نرزقهم وإياكم ) وذلك لأن بداية الأية هي ( ولا تقتلواأولادكم خشية إملاق ) فأنظر في كلمة ( خشية ) فهي تدل على ان الفقر لم يقع بعد ولكن هؤلاء الآباء يخشون الفقر بكثرة أولادهم , لذلك رد الله ( عزّ و جل ) عليهم بقوله ( نحن نرزقهم وإياكم ) أي هؤلاء الذين تخشون الفقر بسببهم سنرزقهم قبلكم ولن نوكل رزقهم لكم لذلك فلا تقتلوهم لأن الرزق مكتوب لهم ولكم .
4- قوله تعالى : )إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة:62) , وقوله تعالى : )إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (المائدة:69)
ففي الأية الأولى وهي قوله تعالى ( والنصارى والصابئين ) جاءت كلمة الصابئين منصوبة وذلك لوقوعها إسماً ل( إنّ ) وهي أيضاً معطوفة بالواو على ( الذين ءامنوا و الذين هادوا والنصارى ) فجاءت كلمة ( الصابئين ) في نهاية المذكورين لأن هذه الفئة أقل المذكورين منزلة أو مرتبة فلذلك جاء بها في آخرهم لأنهم أقل المذكورين وأيضاً جاءت تحت تأثير ( إنّ ) .
أما في الأية الثانية وهي قوله تعالى : ( والصابئون والنصارى ) فقد قدّم ( الصابئون ) على ( النصارى ) ولكنهم بقوا الأقل منزلة في المذكورين , كيف ؟ وذلك لأنه أخرج كلمة ( الصابئون ) من تأثير ( إنّ ) وإعراب هذه الكلمة هو ( مبتدأ لخبر محذوف تقديره كذلك ) أي أنها جملة أخرى , لم تقع تحت تأثير ( إنّ ) , فما دامت قد خرجت من تأثير ( إنّ ) فبذلك ظل ال( الصابئون ) أقل المذكورين منزلةً , ولكن لماذا أخرهم من تأثير ( إنّ ) وذلك بتقديمهم على النصارى مع أنهم مازالوا أقل المذكورين ؟ وذلك لأن الأية مذكورة في سورة ( المائدة ) وسورة ( المائدة ) غالبية موضوعها عن عقيدة التثليث وقصة سيدنا ( عيسى ) عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام , وعقيدة التثليث هي العقيدة النصرانية , وهي أنهم يقولون أن الله ثالث ثلاثة وحشا لله أن يكون كذلك قال تعالى : )لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (المائدة:73) .
ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ما ينفعنا وكما قلت فإني أرجو المشاركة من الجميع حتى وإن كانت أسئلة فقط وبإذن الله نحاول جميعاً التدبر في معاني القرآن وبيان نواحيه الإعجازية .
والله يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه إن شاء الله تعالى .
مع خالص محبتي
:f :f :f :f :f |