[ALIGN=CENTER]
ثبات عقيدة السلف وسلامتها من التغيرات
للشيخ عبدالرزاق العباد حفظه
من أفضل الكتيبات التي قرأتها وأنصحك أخي القارئ
بأن تحمل هذا الكتاب على كمبيوترك ثم تقرأه [/ALIGN]
اضغط هنا للتحميل
-------------------------------
[ALIGN=CENTER]
هذه مقدمة الكتاب مع نبذه من محتوى الكتاب[/ALIGN]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن للعقيدة الإسلامية الصافية النقية المتلقاة من الكتاب والسنة مكانةً عاليةً ورفيعةً في الدين، بل إن منزلتها فيه منزلة الأساس من البنيان، والقلب من الجسد، والأصل من الشجرة، قال الله تعالى: ((
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء)) [إبراهيم: 24].
فهذا شأن العقيدة، شأنٌ عظيم، ومكانة عالية، ومنزلة رفيعة، أمرها مستقرٌ في نفوس أهلها، وكامنٌ في قلوب أصحابها، فمنها ينطلقون، وعليها يُعولون، ولأجلها يناضلون، سما قدرها في نفوسهم، وعلت مكانتها في قلوبهم، فتمكنت منها القلوب، واستقرت في النفوس، فترتب على ذلك وانبنى عليه صلاحٌ في السلوك، واستقامةٌ في المنهج، وتمامٌ في الأعمال، ودأبٌ على الطاعة والعبادة، ولزوم أمر الله تبارك وتعالى، وكلما كانت العقيدة أعظم تمكناً في نفوسهم، وأقوى استقراراً في قلوبهم، كان ذلك دافعاً لهم لكل خير، معيناً لهم على كل فلاحٍ وصلاحٍ واستقامةٍ.
ومن هنا عظمت عنايتهم بها، وزاد اهتمامهم بها اهتماماً وعناية مقدمة على كل اهتمامٍ وعنايةٍ، هي عندهم أهم من طعامهم وشرابهم ولباسهم وسائر شؤونهم؛ لأنها هي حقيقة قلوبهم، قال الله تعالى: ((
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ )) [الأنفال:24].
فهي حياة قلوبهم حقيقة، وأساس نماء أعمالهم، واستقامة سلوكهم، وحسن نهجهم وطريقهم، ولهذا عظمت عنايتهم بها علماً واعتقاداً، وما يتبع ذلك ويترتب عليه من جد واجتهادٍ واستقامةٍ ومحافظةٍ على طاعة الله تبارك وتعالى.
إن العقيدة الإسلامية الصحيحة الصافية النقية هي أهم المهمات، وآكدُ الواجبات، والعنايةُ بها ينبغي أن تُقدم على كل عنايةٍ واهتمام، وعندما نتأمل سيرة سلفنا الأخيار – رحمهم الله وأسكنهم الجنة، وجزاهم عن المسلمين خير الجزاء – نرى عظم عنايتهم بالعقيدة، وشدة اهتمامهم بها، وأنهم يقدمونها في الاهتمام والعناية على كل الأمور، فهي أعظم مطالبهم، وغاية مقاصدهم، وأنبلُ وأشرفُ أهدافهم، وقد تنوعت عنايتُهم بالعقيدة عبر مجالاتٍ مختلفةٍ وجهودٍ متنوعة، ومن عنايتهم بها وهو من أسباب حفظها وثباتها وبقائها، تأليفهم فيها المؤلفات النافعة، والكتب المفيدة التي تُقررُ العقيدة، وتُبينها وتوضحها وتذكر شواهدها ودلائلها، وتذُبُ عنها كيد الكائدين، واعتداء المعتدين، وتعطيل المعطلين، وتحريف الغالين، ونحو ذلك مما قد يُحاك حولها وتُستهدف به، فقام السلفُ – رحمهم الله – في هذا المجال العظيم بجهود ضخمة، وأعمال كبيرة، خدمة للعقيدة، ونصرة لها، وقياماً بالواجب العظيم تجاهها، وكتبوا فيها بياناً وتوضيحاً، واستشهاداً واستدلالاً مئات الكتب، بل الآلاف بين مطول ومختصر، وبين شامل لجميع أبوابها، ومختص في جانب من جوانبها، بين مُؤصل للحق والصواب، وراد على المخالف المرتاب، ثم اللاحق منهم يأخذ العقيدة عن السابق واضحةً وضوح الشمس في رابعة النهار، بينة لا لبس فيها ولا غموض؛ لصحة شواهدها، وسلامة دلائلها وقوتها، ووضوحها وبيانها، فتوارثها المؤمنون المتبعون جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن، كل جيل يأتي يتعاهدها تعاهداً عظيماً، ويرعاها رعاية كبيرة ثم يؤديها إلى من بعده كما هي دون تغييرٍ أو تبديل أو تحريف أو نحو ذلك، فيأتي الجيل الذي بعدها فيعتني بها عناية أسلافه، ويهتم بها اهتمام من قبله فيحافظ عليها، وهكذا توارثتها القرون جيلاً بعد جيل، ولا تزال طائفةٌ من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الحق منصورةً لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم إلى أن تقوم الساعة.
وموضوع هذه الكلمة هو عن ثبات هذه العقيدة، عقيدة السلف الصالح – رحمهم الله – وسلامتها من التغييرات عبر عمر مديد وزمان طويل، بقيت سالمةً متماسكةً، فالعقيدة التي عند أهل السنة الملتزمين بالكتاب والسنة في هذا الزمان، هي العقيدة التي دعا إليها النبيُ عليه الصلاة والسلام، وهي العقيدة التي كان عليها الصحابةُ ومن تبعهم بإحسان، وتناقلوها فيما بينهم، وتوارثوها إلى أن وصلت إلى زماننا هذا صافية نقية.
نعم ضل عنها أقوامٌ، وانحرف عنها أناسٌ كثيرون، تفرقت بهم السبُل، وحادوا عن الجادة الصحيحة والطريق المستقيم، وقد أشار النبيُ الكريم عليه الصلاة والسلام إلى أن هذا سيقع وسيكون، فقال: "
إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنن الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة " (1)، وقال في الحديث الآخر: "
وستفترق هذه الأمةُ على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة " (2)، فرقةٌ واحدةٌ سلم لها دينها، واستقام لها منهجها، وصح لها معتقدها؛ لأنها أخذته من نبعه الصافي، ومعينه الذي لم يشبه أي كدر، أخذته من كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، فكان حظهم في الاعتقاد وسائر شؤون الدين السلامة والعلم والحكمة والرفعة، وكانوا أحق بها وأهلها؛ لأنهم أخذوها من مصدرها ومنبعها؛ كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، سلمهم الله فلم تخطفهم الأهواء، ولم تتلقفهم الشُبُهات، ولم يميلوا إلى عقولهم أو آرائهم أو أذواقهم أو مواجيدهم، أو نحو ذلك طلباً لمعرفة الاعتقاد الصحيح، وإنما عولوا على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .
وما من شك أن هناك أسباباً متعددة كانت داعيةً لبقاء هذه العقيدة وسلامتها واستقرارها في نفوس أهلها بتوفيق من الرب سبحانه وتعالى، فهو الموفق وحده والمان، بيده الفضل يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، فتوفيق الله وتسديده وهدايته وإعانته لهم هو أعظم أمر تحققت به سلامتهم، وكان به بقاءُ هذه العقيدة في نفوسهم، والله خيرٌ حافظاً، وهو أرحم الراحمين.
ولهذا يلزم كل مسلم أن يُقوي صلته بالله، وأن يسأله دائماً الإعانة والتوفيق والسداد والسلامة؛ لأن الأمر بيده تبارك وتعالى: ((وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)) [هود:88].
لا شك أن هناك أسباباً كثيرةً بعد توفيق الرب جل وعلا وحفظه سبحانه كانت سبباً لثبات هذه العقيدة وبقائها واستقرارها في نفوس أهلها، وسبباً لسلامة أهلها من التغير والتلون والانحراف، ولا شك أيضاً أن من النافع للمسلم والمفيد له في حياته أن يقف على الأسباب التي بها ثبات العقيدة وسلامتها؛ ليتعاهدها في نفسه، وليرعاها أحسن الرعاية مستعيناً على ذلك كله بالله وتبارك وتعالى.
وقد تلخص لي من خلال التأمل والنظر لكلام أهل العلم – رحمهم الله – في هذا الباب العظيم أسباباً كثيرةً أدت إلى ثبات العقيدة في نفوس أهلها وأصحابها، وإلى بقائها وسلامتها من التغير والانحراف، وأوجز ما تيسر لي من ذلك في النقاط التالية:
أولاً: الاعتصام بالكتاب والسنة.
ثانياً: اعتقاد السلف أن الكتاب والسنة مشتملان.
ثالثاً: الرجوع إلى الكتاب والسنة في حال الخلاف.
رابعاً: سلامة الفطرة.
خامساً: صحة عقولهم.
سادساً: يجب الاطمئنان لهذه العقيدة.
سابعاً: الارتباط بفهم الصحابة ومن تبعهم.
ثامناً: التوسط والاعتدال.
تاسعاً: عدم تقديم العقل على النقل.
عاشراً: حسن الصلة بالله .
الحادي عشر: اليقين التام بهذا المعتقد.
الثاني عشر: الاعتقاد بأن الإيمان بالله وأسمائه وصفاته واليوم الآخر مما جاء به الوحي.
الثالث عشر: وضوح العقيدة وبعدها عن الغموض .
الرابع عشر: الاتعاظ بحال أهل الأهواء قديماً.
الخامس عشر: اتفاق الكلمة وعدم التفرق .
--------------------------------
1. رواه أبو داود (4607)، والترمذي (2676).
2. رواه أحمد (4/102)، وأبو داود (4597)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (203).