إذا سقطت دموع الندم بسم الله الرحمن الرحيم
• دعا عبد الله بن جحش رضي الله عنه فقال (( اللهم لقّني إذا عدوا جلدا أقاتله فيك ، فيبقر بطني ويجدع أنفي ، حتى إذا سألتني غدا : فيم ذلك ؟ قلت : فيك يا رب ، فلما حلّ المساء إذا أنفه وأذناه معلقتان في خيط ...
لأن عقد المحبة عندهم فيه شرط يستوجب توقيعه بالدم ، وهذا الشرط ساقط عندنا ، لسان حاله
أجللت ذكركم عن أن يدنسه *** لون المداد فقد سطّرته بدمي
ولو قدرت على جفني لأجعله *** طِرسي وأبرى عظامي موضع القلم
لكان هذا قليلا في محبتكم *** وما وجدت له والله من ألم
• بعض الناس يشتري النار لشغفه بها ، ويطلب قربها ، يتقلّى بلهيبها لأنه يعشقه ، لسان حاله هو وأمثاله :
مسترسلين إلى الحتوف كأنما *** بين الحتوف وبينهم أرحام
• ليس كل ناعم حريرا ، وما كل ما لمح بريقه بذهب ، من كل ألف صدفة تخرج لؤلؤة واحدة ، ومن بين أسراب النحل تولد ملكة فريدة ، الندرة رمز الغلاء ، والوفرة علامة الرخص ، فاعرف قدر نفسك جيدا أيها المؤمن وردّد :
وهكذا كنت في أهلي وفي وطني *** إن النفيس غريب حيثما كان
• مما جاء في وصف النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان متواصل الأحزان ، دائم الفكرة ، ليست له راحة ، لا يتكلم في غير حاجة ، طويل السكوت ، يتكلم بجوامع الكلم ، لا فضول فيه ولا تقصير ، ليس بالجافي ولا المهين ، يعظم النعمة وإن دقت ، لا يذم شيئا ، ولم يكن يذم ذواقا ( طعاما ) ولا يمدحه ، ولا يقام لغضبه إذا تُعرّض للحق بشيء حتى ينتصر له ، لا يغضب لنفسه ، ولا ينتصر لها سماحة ، وغير ذلك الكثير مما لا تسعه الصحف أو تجري به الأقلام ، ألم أقل لكم :
وعلى تفنن واصفيه بوصفه *** يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف
• إذا سقطت دموع الندم رفع أثر الزلل ، وإذا بكى العبد خوفا ضحكت الحور شوقا ، عيّ التائب أبلغ من ألف خطبة ، ودموع الانكسار أرجى في القبول من مائة عذر وعذر ، إذا قست القلوب لم تجد الفصاحة شيئا ، وإذا لانت فالصمت أبلغ أحيانا من الخطب .
بليغ إذا يشكو إلى غيرها الهوى *** فإن هو لاقاها فغير بليغ
• كما تقترب الشمعة المضيئة من أختها المنطفئة فتضيء منها ، كذلك تنجذب القلوب المريضة من القلوب السليمة فتضيء من هداها ، وتمشي على أنوارها .
ودّعت إلفى وفي يدي يده *** مثل غريق به تمسّكتُ
فرُحت عنه وراحتي عطرت *** كأنني بعده تمسّكْتُ
• حمل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه الراية يوم مؤتة بيمينه فقطعت ، فالتقطتها شماله قبل السقوط ، فقطعت شماله فانتفض عضداه يقومان بالمهمة ، إلى أن شقه أحد الأعداء نصفين ، لأن جعفر يؤثر أن يسقط على أن تسقط الراية ، ويحب أن يبلى على أن تبلى ، ويختار الموت على أن يراها معفرة في التراب ، مخاطبا دينه قائلا له :
أنت لي بدرٌ فلا *** عشتُ إلى يوم مُحاقك
• يُلبس الله كل إنسان في العلانية الثوب الذي كان يرتديه في السر ، والتعليل : لما اجتمع الشيطان مع أعضاء حزبه ليلا ، مسح على وجوههم وطمس أنوار بصيرتهم ، وأطفأ أضواء فطرتهم ، فلما طلع عليهم الصبح ظهرت فضيحة (( كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما )) ولما خلا الصالحون بالرحمن ليلا ألبسهم من نوره لأن من أسمائه النور ، ليظهر في الصباح ما كانوا يخفون ، فيهتدي بهم الحائرون ، وأمثال هؤلاء يقولون :
كتمت حبك حتى عنك تكرمة *** حتى استوى فيه إسراري وإعلاني
• الجنة أنشودة الصالحين على مر الزمان ، وترنيمة المتقين يدندنون بها عبر الأجيال ، عطرها النفاذ له عبيره الخاص وعبقه الذب لا يقاوم .
استنشقه عمير بن الحمام رضي الله عنه فلم يطق الانتظار ، رأى قطار الشهادة مسرعا نحوها فخاف أن يفوته ، فألقى بالتمرات من يده وركب في أول قاطرة ...
واستنشقه عبد الله بن رواحه رضي الله عنه يوم مؤتة ، فانطلق يغني لها : يا حبذا الجنة واقترابها ، ثم جاد لها بدمه ..
واستنشقه سعد بن خيثمة رضي الله عنه في بدر ، فما آثر بها أباه الذي رباه ، لأن الجنة ليست مما يسري عليه قانون الإيثار قائلا : والله لو كانت غير الجنة لآثرتك بها .
الشوق غامر والحب جارف والصبر نفد ، فمتى نلقى الأحبة محمدا وصحبه ؟
أرى البين يشكوه المحبون كلهم *** فيارب قرّب دار كل حبيب
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم |