قديم 02-06-2003, 02:14 AM   #1 (permalink)
عضو نشط جدا
 

المجنون

المجنون

كان يتأمل النظارات المبعثرة على الوجوه، ويتابع حركات الأيدي والأصابع، إنها ترتفع، تنخفض، تنثني، تتجه نحو اليمين، نحو اليسار، نحو الأعلى نحو الأسفل، تتقارب، تتباعد، تتقلص، تتمدد...
الرؤوس تهز، آهات تنفلت من عقالها بين آن وآخر. الأقدام تتحرك بوتيرة واحدة، تستبدل موطئها. الأجسام تهتز بعصبية بين فترة وأخرى، ثم تعود فتتراخى في جلستها.. علب التبغ تنتهي واحدة إثر الأخرى.
أمامه عند موضع عينيه ارتمى جسد ضخم حجبته نظارة سوداء، يتدلى شاربه فوق شفتيه ولم يكن يرى فيه غير فتحة تظللها شعرات من شاربه.. الفجوة تفتح والعيون تتلقف:
- نريد بديلاً لهذا الواقع، ويجب أن يكون هو ما نريده، وإلا، فالبقاء على الواقع الموجود حتى خلق البديل المطلوب....
عيناه ملصقتان بتلك الفجوة التي تنضم وتنفرج.. وتنتقلان لتمرا عبر بطن كاد أن يفتق ما يستره وقد ارتخى مالئاً ما بين مسندي الكرسي. صاحب البطن المهتز يتابع:
- إن مجرد البديل كشكل لن يقدم شيئاً، إنه لن يعطي إلا انعكاسات سيئة...
الوجوه تتابع حركة شفتيه، الصمت يخيم إلا من كلامه، وعبق الدخان يملأ الغرفة ضباباً كثيفاً. وصاحب الكرش يتابع:
- الواقع الذي نفكر فيه شيء، والإمكانيات شيء آخر، يجب أن ندرس هذا الواقع وتلك الإمكانيات دراسة عميقة وشاملة وطويلة!
للمرة العشرين ولربما أكثر يسمع عبد المتوكل هذا الكلام، وقد حفظه عن ظهر قلب، واعتبره في لحظة ما إنجيلاً مقدساً!
في المرة الأولى شدّه نزول الوحي، وفي المرة الثانية هبط عليه التفاؤل، وفي المرة الثالثة صرخ : الثورة ستشتعل، وفي المرة الرابعة لم يتمالك نفسه، فقد قفز عن كرسيه في الهواء فالثورة ستجتاح العالم، وفي الخامسة أدرك سراً ودونه سر خاتم سليمان، فخطورتهم تلف الكرة الأرضية، وفي السابعة... وفي الثامنة قال: الله، الله.. وفي التاسعة ما شاء الله.. وفي العاشرة بدأ الحلم يتمزق... وجاءت العشرون وقد فقد كل خيوط الأمل، فهناك الظروف الموضوعية والذاتية... ولم ينضج أي شيء... أي شيء..
كان في طريقه إلى البيت وهو يثرثر مع نفسه مستعيداً شهوراً من الذكريات...
الواقع.. الواقع.. الظروف الموضوعية... الذاتية... الإمكانيات..
قال محدثاً نفسه:
- متى نخرج من هذا الواقع المأساوي إذاً ؟
ألن نعمل شيئاً، يجب أن نعمل، أن نبدأ، أن نضع أنفسنا في بداية الطريق.. يجب أن نريح ألسنتنا قليلاً!
أن نعمل، أن نعمل.. أصابه القرف.. سئم شرب الشاي والقهوة.. مله الدخان في غرف مغلقة جدرانها صامتة تتحدث عن عالم خارجي لا تراه بعينيها وتريد أن تغيره!
نعم أن تغيره بعبق دخانها! وجوها الذي يثير الروعة والرهبة!
- أنتم كالخفافيش تحيون في الظلام. الحياة رائعة، الشمس، الماء، الهواء النقي، الطبيعة. العالم الخارجي رحب، واسع..
- إنهم لا يرون إلا أعماقهم، لا يرون شيئاً.. كل شيء في أعماقهم بمعزل عن كل شيء فهم يجسدون أعماقهم ليس إلا!
لم يذكر عبد المتوكل أنه خرج مرة من تلك الجدران، إلا وقد وجد العالم الخارجي غير عالم ما بين الجدران المغلقة. لذا قرر في النهاية أن يبتعد عنهم حتى يرى الضوء، يرى الشمس، يرى الطبيعة، يرى الحياة على حقيقتها!
أفواه أطفاله تصرخ في وجهه:
- إنك أب زائد، لا مكان لك في المجتمع! أوتشبع بطوننا بكلماتك!
زوجه كمدقة الجرن تدق في رأسه:
- إلى متى سنبقى هكذا ؟
البقال، اللبان، صاحب البيت.. الفواتير، الديون... كلهم وراءه، أمامه، فوق صدره.. ينهشون في عظمه.. أما لحمه فقد نهشوه منذ زمن بعيد!
كان يسأل نفسه:
- ترى أتغير الجدران معالم الإنسان، معالم الوجود ؟
ترى أيتغير الإنسان بتغير المكان ؟
ويضحك من سذاجته:
- لو لم أكن فقيراً، ماذا سأكون ؟ وكيف سأكون ؟!
كان فيما مضى يداعبه خيال جميل عما يمكن أن يكون. ها هو يقود سيارته الفاخرة، خرج من قصره وكان مدعواً لحفلة عشاء أقامتها إحدى الشخصيات الكبيرة والغنية.. ملأته نشوة.. ولكن انتبه لنفسه، فبصق مشمئزاً..
- تفوه! ثم استدرك: ولكن لم لا يكون الأمر كذلك لنا جميعاً، ما المانع ؟!
لعن نفسه وخياله الواسع وتابع سيره على غير هدى، ولكن أحلام الطفولة لاحقته. كان يتمنى أن يكون أميراً حتى يحبس صاحب دكان الحلوى في حارتهم، ليتمكن من أكل ما فيها من الحلوى !
هز رأسه:
- إيه، وكبرت والله يا عبد المتوكل، وكبرت معك الأحلام، ولكن هل الحياة خلقت لأولئك الكلاب فقط! واقشعر جسده.. تذكر كلب البيك وشعر بغصة حادة في حلقه فكلب البيك يأكل لحمة يا عبيد الله!
زوجه عائشة أنجبت له سبع بلاليع وهيهات أن تمتلئ.. وكلب البيك يأكل لحمة، وثمن علبة اللحمة الواحدة تكفيه مع بلاليعه أكثر من أسبوع!
ضحك من نفسه ولعن كلب البيك الذي بسببه سجنوه!
فهو يذكر تماماً يوم مدّ القاضي رأسه الأصلع من فوق المنبر:
- حكمت عليك المحكمة بالسجن لمدة ثلاثة أشهر بجريمة السرقة.
- ولكن يا سيدي كانت علب لحمة لكلب البيك!
- هذا ليس مهماً، المهم أنك سرقت!
- وهل الكلب أغلى من أولادي؟
- ولأنك وقح زدناهم شهرين!
وهكذا اكتمل نصاب ربه، فكان خمسة أشهر أمضاها في السجن.. أما أسرته فالله وحده يعلم كيف عاشت من بعده!
في السجن الكل تعاطف معه، حدثهم عن فقره،عن أبيه الذي تركه ولم يتجاوز الثالثة عشرة . حدثهم عن عمله الذي كان يأخذ كل يومه تاركاً له فتات ساعات النوم لا غير. وحدثهم عن أجره لقاء ذلك من البيك، ثم عن عائشة زوجه وعن أفواهه السبعة...
الكل في السجن أحبه.. أحب كلامه البسيط عن الواقع، عن الفارق بين الإنسان والكلب، عن التغيير.. ولكن كيف والبيك هو الأمير! وهذا ما لم يتوصل إليه عبد المتوكل..!
في السجن وجد الجدران المقفلة.. التقى سعيداً قاتل زوجه، ومحمود مهرب الحشيش، وأبا الكل- كما كانوا يكنونه- صاحب اليدين الساحرتين.. كان يسرق ليعيش، لم تكن أحلام أبي الكل كبيرة.. ولم يحلم قط كحلم عبد المتوكل!
كان ابن أبي الكل يريد خبزاً، لباساً صوفياً، فالشتاء جد بارد. وكان السجن طريق أبي الكل إلى بائع الثياب الصوفية!
يذكر عبد المتوكل بأنهم علموه في المدرسة الأمانة والصدق، ولكنه في السجن اكتشف معنى ذلك، فصرخ وهو يسير في مدخل حارته:
- إن ذلك يعني حفظ أموال الأغنياء من الفقراء!
مهرب الحشيش كانوا يلقبونه بالطبيب. وجه بشوش. وصفاته الطبية صالحة لك مرض. وصفاته تنسيك آلامك، تجعلك تحلم بالخبز، بالدجاج، باللحم، بالسيارة، بالقصر... إلا أن عبد المتوكل لم يطمئن قلبه إلى وصفات محمود.. فبصق على الأرض وصرخ دون أن يعير التفاتة لجاره وهو يسلم عليه في الطريق:
- نريد وصفة تجعلنا نحلم حقائق.. حقائق.
سعيد قاتل زوجه يقولون إنه يحبها، ولم يفهم عبد المتوكل كيف يؤكدون بأنه يحبها، وفي الوقت نفسه خنقها بيديه!
لن ينسى يوم اقترب سعيد منه وأطلعه على مشاعره.
- أتعرف يا عبد المتوكل بأنني أحببتك، فأنت طيب..!
صاح كديك في طريقه للذبح وتخيل رقبته تمتد لتسهل عمل سعيد!
استغرب بائع الفول من عبد المتوكل وهو يصيح في الشارع كالديك، ناداه ولكن عبد المتوكل تابع طريقه...
ولكن! ليت الناس كلهم سعيد! فقد كان سعيد أعقل الناس وأعظمهم حباً وقلباً وقد تعلم منه الكثير...
كانت زوج سعيد من عائلة غنية أحبته وهي طالبة في الجامعة. تخلت عن أهلها لأجل سواد عينيه، وعاشت معه فترة طويلة، ولكنها لم تستطع الاستمرار مع فقره فقد تغيرت، وجاع الحب، فكفرت، وتركته يحتضن فقره، وعادت إلى أهلها.. تحمل قساوة هجرها.. وصبر، لكن صبره تمزق!
يقولون عن الفقر إنه كفر، والحب إنه الموت، وفي ساعة يائسة قتل، وكانت زوجه الضحية! أمسكوا به كفأر نجس ورموه هنا!
في الخارج يشيعون بأن السجن للمجرمين، لسفاكي الدماء، لمهربي الحشيش.. ولكن عبد المتوكل رأى هؤلاء خارج السجن. ورأى السجن غير ذلك.. فقد وجد أهله أناساً طيبين، بسطاء، تتجلى الطهارة في أعماقهم رغم قساوة ملامح وجوههم.. رأى في السجن الحياة فأحبها.. أحب التغيير.. أحب التبديل... في السجن لمس الحرمان وانتفاء العدل والمساواة...
ويوم خرج من السجن الكبير- كما يسميه- إلى السجن الصغير كان إنساناً آخر..
ويذكر تماماً يوم خروجه ومدير السجن ينعق في وجهه:
- انتبه وكن عاقلاً.. دعك من كلماتك الفارغة فأية كلمة تتفوه بها ستعيدك إلينا!
وقد شكره يومها على حسن ضيافته وهو يقف على قدميه، وينفض التراب عن بنطاله ويمسح الدم عن شفتيه..
أصبح همه الوحيد بعد خروجه من السجن أن يبحث عن البديل، أن يغير الواقع. ولما كان السجن قد علمه بأنه لن يستطيع ذلك وحده، قادته قدماه إلى تلك الغرف المغلقة، ليخرج منها اليوم إلى غير رجعة، فقد قرفها وسئمها ولم يتعلم منها غير التنطع والثرثرة وحركة الأيدي والأصابع..
كان يجد عقبات فلم يبال بها فالحلم أكبر، أخطاء تتكاثر لم يجدها ذات قيمة.. فكما كان يقول صاحب البطن البدين:
- المهم هو الهدف... الهدف!
ولما تغلغل عبد المتوكل فهم.. اتضحت الأمور أمام عينيه، أمام عينيه عائشة وأطفاله السبعة.. يقف قليلاً، يتردد في متابعة سيره.. أخذ يهلوس، الهلوسة تنتابه.. يسائل نفسه بصوت عالٍ:
- أين أنا؟ هل تغيرت؟
- لا.. لا.. أنا عبد المتوكل.. إنها الحقيقة.. وما رأيته وما لمسته بيدي كان صحيحاً..
أهل الحارة تجمعوا حوله، يتأملونه، يلقون عليه السلام.
عبد المتوكل مع نفسه:
- ايه يا عبد المتوكل.. تسمع كلام مثل العسل، تشوف أفعال تجنن!
الله.. الله يا زمن، امتى الواحد يشوف اللي يسمعه؟
أهل الحارة ينظرون إليه ما بين مشفق، وضاحك، وخائف، وعبد المتوكل يصرخ:
- لازم يا عبد المتوكل نعمل وما نضيع عمرنا في الحكي...
خطوات عبد المتوكل تتسارع.. انه يعدو من بين الزحام، يتمتم بكلمات غير مفهومة..
- عاوزين فرن لازم تنضج الظروف أولاً.. فرن...
رجل امتلأ شهامة اتجه نحو الهاتف.. رفع السماعة أدار القرص:
- ألو، مستشفى المجانين... لا حول ولا قوة......


* * *

النهاية



[mover]اتمنى ان تنال اعجابكم[/mover]

التوقيع: [align=center]



من ابداع مـلك الحب((فديت خلي))...ولكم [/align]
مـلك الحـب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 



أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 10:31 PM.


LinkBacks Enabled by vBSEO 3.1.0

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42