كان الحارث وأخوه هَمَّام : يستمعان لدرس التفسير في المسجد ، حيث أجاد المُفَسِّر ، وشدّ انتباه الحاضرين إليه . ولفت نظرهما قوله : شملت رحمة الله تعالى آدم صلى الله عليه وسلم وذرّيته بعد تهديد إبليس ـ عليه لعنة الله ـ لهم . فعندما كفر قوم نوح لم يتركهم الله فريسة لإبليس وجنده ، بل أرسل إليهم نوحاً صلى الله عليه وسلم . وأرسل الله جل جلاله هوداً صلى الله عليه وسلم إلى عاد لينهاهم عن الفساد ويهديهم سبل الرشاد ...
وعَزَم الأخوان أن يطّلعا على قصّة هود صلى الله عليه وسلم ، وكيف كان شأنه مع قومه عاد .
ولمّا تهيأ لهما جلسا سويّا للاطلاع على قصّة هود صلى الله عليه وسلم الذي سُمّيت سورة من سور القرآن الكريم باسمه ، واستقصيا ذكر القصّة في القرآن ، فوجداها في سور الأعراف ، وهود ، والشعراء ، والقمر ، ووجدا إشارات إليها في سور أخرى . ودار بينهما الحوار التالي :
هَمَّام : انتبه يا حارث ؛ ولا تنس ما يلي : ذَكَر الله جل جلاله قصّة نبيّه هود صلى الله عليه وسلم في سورة الأعراف ( آية : 65 ) ، وفي سورة هود ( آية : 50 ) وكلتا الآيتين ابتدأت بقوله جل جلاله : ( وإلى عادٍ أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره ) ! فماذا تستنتج من ذلك يا حارث ؟!.
الحارث : قوله تعالى : ( أخاهم هودا ) يُشير إلى أنّ هوداً كان من قوم عاد .
هَمَّام : بل كان من أوسطهم وأشرفهم نَسَباً ، وكذلك جميع الأنبياء والرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ يُبْعَثَون من أشراف أقوامهم وأعزّهم نسباً ... هذا جيّد . وفي قوله تعالى ( اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) يُشير إلى دعوة هود صلى الله عليه وسلم قومه إلى نبذ الشرك وعبادة الأوثان ، وأن يعبدوا الله وحده لا شريك له .. أحسنت .
الحارث : وهذه دعوة جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام .
هَمَّام : واعلم يا أخي أنّ العرب الذين كانوا قبل اسماعيل صلى الله عليه وسلم يقال لهم العرب العاربة ، ومنهم : عاد ؛ وثمود ؛ وجُرْهُم ؛ ومَدْيَن ... وأمّا العرب المُسْتَعرِبة فهم من وَلَدِ اسماعيل صلى الله عليه وسلم بن إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم . وهود صلى الله عليه وسلم أوّل رسول عربي ذُكِرت قصته في القرآن الكريم .
الحارث : اطّلعنا على قصّة نوح صلى الله عليه وسلم ، حيث أهلك الله الكافرين على عهده ، ولمْ يَبْقَ إلاّ الفئة المؤمنة المُوَحّدة ! فكيف وصل الشركُ إلى ذُرِّياتهم ؟!.
هَمَّام : مع تقادم العهد ، غَلَبت على الناس الشهوات، وسيطرت الأهواء ، وطال عليهم العهد ، وقست قلوبهم ووجد الشيطان منفذاً إلى نفوسهم ، فَوَجَدَ عندهم طِلْبَتَهُ ، وَنَفَّذَ فيهم رغبته ، وزَيَّن لهم عبادة الأوثان ... فوقفوا أمام الأصنام أذلّة راكعين ، حتّى صاروا أُلْعُوبة بيد الشيطان ، يُسَيِّرُهم كيف شاء . وَوَصَل بهم الأمر أنْ صار لهم ذلك ديناً ، جيلاً بعد جيل .
الحارث : أكمل يا أخي أكمل ... وماذا بعد ذلك ؟
هَمَّام : أرسل الله جل جلاله إليهم رسولاً منهم ، لِيُنْذِرَهُمْ . فدعاهم هود صلى الله عليه وسلم إلى عبادة الله وحده ؛ ونَبْذِ ما هم عليه من الشرك ، وذَكَّرهم بِنِعَمِ الله عليهم ، فهم من أشدّ الأمم قوّة ، وَمِنْ أعظمهم بطشاً ، وأوفرهم أجساماً ، ولمْ يُخْلَق مثلهم في البلاد . كانوا يسكنون الأحقاف باليمن بين عُمَان و حضرموت . وكانت بلادهم وديارهم أخصب البلاد وأكثرها جِنَاناً . ويقال لهم : عاد إرم ؛ وعاد الأولى . ( وعاد الثانية هم : ثمود قوم صالح صلى الله عليه وسلم ) .
الحارث : ياليتهم إذْ غفلوا تذكّروا وانتبهوا إذ جاءهم الرسولُ الشفيق الرحيم .
هَمَّام : لاشكّ أنّه لو كانت لهم عقول لسارعوا إلى تصديقه ، وإلى ما يُسْعدهم في الدنيا والآخرة . ولكن ! أنّى لمن استولى الشيطان على قلوبهم وعقولهم أن يُؤمنوا . بل كان موقفهم كما وَصَف الله جل جلاله : ( قا لوا يا هود ما جئتنا بِبَيّنة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين . إنْ نقولُ إلاّ اعتراك بعضُ آلهتنا بسوء قال إنّي أُشْهِدُ اللهَ واشْهَدوا أنّي بريء ممّا تشركون ) هود : 53-54 .
الحارث : عجيب أمر أولئك القوم . يتركون عبادة خالقهم ويُكَذّبون رسول ربّهم ، ويعبدون ما لا ينفعهم شيئاً ولا يضرّهم ؟!.
هَمَّام : لقد جادلوا نبيّهم عليه السلام ، وإن شئت فاقرأ تفاصيل ذلك في سور: الأعراف ، وهود ، والشعراء .
الحارث : وكيف كان مصيرهم بعد كلّ هذا الجحود والنكران ؟
هَمَّام : قرأت قول الله جل جلاله : ( وما كُنّا مُعَذِّبين حتّى نبعثَ رسولا ) . لقد عُذِّبوا بالريح . فبعد أن قالوا من أشدّ منّا قوّة ، سَلَّط الله جل جلاله عليهم جنديّا من جنوده ( وما يعلم جنود ربّك إلاّ هو ) . إقرأ معي قول الله جل جلاله : ( فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيّام نَحِسات ) فصلت : 16 . فكانت عاقبتهم كما ذكر الله جل جلاله : ( فلمّا رأَوْهُ عارضاً مُسْتقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم . تُدمّر كلّ شيء بأمر ربّها فأصبحوا لايرى إلاّ مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين ) الذاريات :41-42.
الحارث : وكيف كان ذلك ؟ وكم استمرّ عليهم العذاب ؟.
هَمَّام : الجواب في قوله تعالى : ( وأمّا عادٌ فأهلكوا بريح صَرْصَرٍ عاتية . سخّرها عليهم سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيّام حُسُوما فترى القومَ فيها صرعى كأنّهم أعجاز نخل خاوية . فهل ترى لهم من باقية ) الحاقة : 6-8 .
الحارث : نسأل الله العفوَ والعافِيَة .
هَمَّام : آمين . روى البخاري ومسلم من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما ، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نُصِرْتُ بالصَّبَا ، وأُهلِكَتْ عادٌ بالدَبُوْر " . وكان صلى الله عليه وسلم إذا عَصَفَت الريحُ يقول : " اللهمّ إنّي أسألك خيرَها وخيرَ ما فيها وخير َماأُرسلت به ، وأعوذ بك من شرِّها وشرّ ما فيها وشرّ ما أُرسلت به " رواه مسلم .
الحارث : جزاك الله خيرا يا أخي . وبارك الله بأمثالك . والسلام عليكم ورحمة الله .