الكيان البشرية طبيعة مزدوجة..
(إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)
ابرز ما في الكيان البشري انه كيان مزدوج الطبيعة.
وهو بهذا الازدواج كائن متفرد في كل ما نعلم من مخلوقات هذا الكون التي تمثل طبيعة واحدة ذات وجهة واحدة
فالحيوان حتى في أعلى درجاته التي تشابه الإنسان في تركيبه الجثماني مخلوق ذو طبيعة واحده كل تصرف من تصرفاته ليس تصرفا ذاتيا نابعا من إدراك أو إرادة وإنما هو تلبية مباشرة لدفعة لا يملك الحيوان مقاومتها ولا يفكر في مقاومتها كذلك. فهو بطبيعة تكوينه مستسلم لكل ما تمليه الغريزة عليه.
انه ذو طبيعة واحدة تعمل في اتجاه الجسم.
وكذا الملك يعيش في نطاق روحه ويطيع توجيهاته بلا إرادة ذاتية ولا تصرف ذاتي..
..
الإنسان وحده هو الكائن المزدوج الطبيعة القادر على أكثر من اتجاه.
وهذا الازدواج هو طابع كيانه كله.وهو متغلغل في كل أعماقه.. فلا يوجد عمل ولا شعور ولا فكر ولا تصرف لا تبدو فيه هذه الظاهرة الفذة المتميزة..
((إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ))
الإنسان قبضة من طين الأرض، ونفخة من روح الله.
*قبضة الطين تتمثل في حقيقة الجسد: عضلاته ووشائجه وأعضائه وأحشائه.
والعلم يقول أن جسم الإنسان مكون من ذات العناصر التي يتكون منها طين الأرض: الأكسجين والإيدروجين والكربون والحديد الخ
وتتمثل أيضا في مطالب الجسد وألوان نشاطه
فالعم يقول أن الجوع والعطش يرجعان إلى التركيب البيولوجي للجسم...
*ونفخة من روح الله تتمثل في الجانب الروحي للإنسان وتتمثل في الوعي والإدراك والاراده تتمثل في كل القيم والمعنويات التي يمارسها الإنسان.
وهذان اللونان من النشاط البشري حقيقة واضحة مشهودة.
والحقيقة الجسدية لا تحتاج إلى توكيد. فهي ظاهرة أمامنا نراها ونلمسها.
أما الحقيقة الروحية فهي خفيه.. ولكن أي شيء في الإنسان ليس بالخفي ؟ أنها مجهولة الكنه (أي الحقيقة).
نعم إنها غير ظاهرة لا نستطيع تحديد حدودها ولا قياس أبعادها. ولكنا نرى أثارها وندركها. نراها متمثله حيانا في وقائع ملموسة وأحيانا في رغبات وأشواق، ومن ثم لا نستطيع أن نلغي وجود الحقيقة الروحيه.
إن كل المعاني التي تعبر عن القيم العليا دليل على هذا الكيان المعنوي للإنسان..
..
ولكن وجود هذا الازدواج في الطبيعة البشرية لا يعطيها الصورة الصحيحة بتفردها بين جميع المخلوقات،
بل هناك مظهر آخر لهذا الكيان تبنى عليه في الحقيقة كل حياة الإنسان.
انه ليس جسما وروحا منفصلين.((فإذا سويته ونفخت فيه من روحي..)
إن هذه النفخة العلوية التي أعطيت الإنسان روحه لم تظل عنصرا منفصلا عن الكيان المسوى من الطين ولم تتحيز في حيز معين منه وإنما سرت فيه فأصبح كيانا جسميا وروحيا في ذات الوقت.لا يستقل فيه كيان عن كيان -انه لم يعد طينا بحتا زلا يمكن أن يعود.. ولا هو أيضا روح بحت ولا يمكن أن يكون، فالعنصران مختلطان ممتزجان مترابطان يتكون منهما كيان واحد مختلط الصفات.
وتلك حقيقة كبرى في الكيان البشري تبنى عليها كل أعمال الإنسان ومشاعره وتصرفاته في الحياة.
وقد انبنى عليها أن الإنسان في حالته السوية يؤدي نشاطه الجثماني على طريقه الإنسان لا على طريقه الحيوان ويؤدي نشاطه الروحاني على طريقه الإنسان كذلك لا على طريقه الملائكة...
أي انه يؤدي كلا نشاطيه بكيانه الموحد لا بأي من عنصريْه منفصلا عن الآخر ومستقلا عنه.
ثم ذكر المؤلف أوجه الاختلاف بين الإنسان والحيوان ودافع كلا منهم في مختلف الصفات والأفعال.. ليبين أن كيان الإنسان مترابط الروح والجسد..
ثم قال: صحيح أن الإنسان يجنح بأحد جانبيه في لحظه من اللحظات..
يجنح تارة بجسده في دفعات الحس الغليظة، وتارة بروحه في لحظة الاشراق..
وفي هذا لابد أن نلاحظ ثلاثة أمور:
1-انه في كلتا حالتيه إنسان بكيانه المجتمع المترابط..
2-أن هذا الجنوح مؤقت لا يدوم.. إلا في حالات اختلال النفسي.
3-أن هذا التداول يساعد الإنسان على التوازن في نقطة الوسط.
إذا فهذا الكيان الإنساني المتفرد لا نصل إلى كل قراره في الحقيقة حين ندرك فقط انه كيان مزدوج الطبيعة ثم ندرك فقط انه كيان مزدوج الطبيعة... ليس هذا هو القرار الأخير في كيان الإنسان !
وإنما نصل إلى قراره حين ندرك انه في الحقيقة كيان موحد برغم ما في طبيعته من هذه الازدواج.
وكل النظم التي لا تؤمن بوحدة النفس البشرية وامتزاج عنصريها الكبيرين تنحرف انحرافات خطيرة تؤدي إلى نتيجتين: إما كبت الجسد وإما كبت الروح.
والإسلام يتمشى تمشيا كاملا مع الفطرة السوية التي خلق الله بها الإنسان.. ويكون مطابقا للكيان الانساني الفذ الذي خلقه الله متفردا بين جميع الخلق وأرسل له هذا المنهج المتفرد المضبوط على كل دقائقه وتفصيلاته والشامل في الوقت ذاته لكل نشاط في الحياة البشرية منبثق عن كيان الإنسان.
...................
[gl]آسفة على الاطاله.. والسبب جمال الموضوع [/gl]