لم يعد خافياً على المتابع الوضع الخطير الذي يواجه أمتنا الإسلامية والذي يعد له بنو صهيون بالأداة الأمريكية الصليبية والتي سيكون باب مَدْخلها ومنْفَذها : العراق ، الأمر الذي يجعل من أولويات المفكرين وباحثي الأمة أنْ يدرسوا الوضع بعناية ، ويعطوا الإستراتيجية العملية على إثرها دون أن يبقى دورهم محدوداً على إصدار البيانات الشاجبة والرافضة فقط .
إنّ ما يزيد من حجم المأساة أنّ كثيراً من عقول الأمة من مفكرين وعلماء إلى حد الآن لا يسيرون في طريق النصر وإنْ كانوا يتوهمون السير فيه ؛ فالنصر لن يأتي من الطرق الرسمية التي يحدد معالم السير فيها ( المصلحجيون من الساسة ) الذين ينتظرون الأوامر المقدّسة من البيت الأبيض ، والذين هم الآخرون ينتظرون حتفهم لانتهاء تاريخ صلاحيتهم ! .
النصر لن يأتي من الطرق التي يرسم معالمها هؤلاء ، وإنما يأتي حينما يسلك الطريق الذي سلكه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو الطريق الجهادي الذي هو الطريق الحقيقي للتغيير ، فهو ـ بأبي هو وأمّي ـ لم يبنِ مشروعه الإسلامي في مكة بترقيع منهجه مع منهج قريش ليغدو المنهجان المتناقضان منهجاً واحداً كما هو عمل الإصلاحيين اليوم الذين يزاوجون بين الإسلام والعلمانية .
إنه مشروع واضح المعالم ذلك المشروع الذي بناه نبي الهدى ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذْ جعل قاعدته الأساسية [ يا معشر قريش : قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ] ، وهي ما تعني العبودية لله في الخلق والأمر .
لقد كان في مكْنة رسول الهدى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يبدأ بمشروع الإصلاح ـ كما يسمى ـ في مجتمع مكة لكنه الذي لم يفعل لأن البناء الإسلامي لا يقوم إلا على قاعدة إسلامية واضحة ( ويكون الدين كله لله ) ، لا للعِلم المادي كما يقرر العلمانيون ، ولا لولي الأمر الذي غدا صنماً يعبد من دون الله كما يقرر علماء السلطان ، وإنما لله وحده لا شريك له .
إن من بين المعوقات التي تمنع الكثير من طيبي القلوب ، وحسني النية من متابعة تأييدهم ومشاركتهم للأعمال المؤثرة في حياة البشر هو أنهم يعيشون حالة من التسامي مع الأفكار والمبادئ ، ويشعرون بجماها وهي تحاور الورق أو تناقش في المنتديات والندوات والجلسات الممتعة ، لكنها حين تخرج من حيز القول والاعتقاد إلى عالم التطبيق والحقيقة فإنهم يصابون بالصدمة النفسية إذْ لم يكونوا يربطون بين جمال الأفكار المجردة وبين صورتها الواقعيّة والعملية ، وهؤلاء على الدوام يخسرون التأثير وكذلك يكثرون اللوم والتقريع .
حين يأتي شيخ ، ويتحدث عن حكمة التشريع في حد الزاني المحصن ، وأن الرجل أو المرأة يُشدان إلى ثيابهما ويوضعان في وسط الناس ، وتحضّر لهما الحجارة ، فيقوم الناس برمي الزاني والزانية بهذه الحجارة حتى يتم موتهما ، هذا المنظر بكل انفعالاته الواقعية ، وبكل ما يحمل من مدلولات وتأثيرات على النفس ، فأنت تتصور هذا المشهد حينما يصرخ المحدودين وترى الدماء تنزف منهما ، وتفاوت صياح الناس جراء رؤيتهم لهذا الحدث ، فهذا محب للمرجوم فهو يبكي على حالته ، وقد تضطرب نفسه فيصاب بالإغماء ، مثل هذه الصور قد لا يستطيع الشيخ الذي يتحدث عن عظمة التشريع وحكمته أن يواصل تسلسل هذا المشهد ، وقد لا يطيق رؤية الدم وهو يخرج كالنافورة من رأس المرجومة أو المرجوم فيصاب بالغثيان أو يخر صريع الغيبوبة . إذاً : ثمة فارق كبير بين جمال الأفكار وبين واقعيتها .
وحين يتحدث الناس عن الجهاد في سبيل الله تعالى ، فهذه كلمة جميلة جداً [ الجهاد في سبيل الله ] ولكن واقع الجهاد ليس جميلاً كله في كل أحداثه ، فالجهاد ليس هو هذه الخطب النارية الرنانة التي يصرخ بها الخطباء ، وليس هو تلك الكلمات الجميلة ، وليس كله غنائم وسبايا ، وليس كله نصر مؤزر ، وليس كله أناشيد حماسية ! ، بل فيه موت الحبيب ، وفيه جرح الصديق ، وفيه تطاير الأشلاء وفقد المال ، وفقد المعين ، وبمعنى آخر فيه جانب من المشقة ، بل المشقة العظيمة ، ثم فيه اختلاط الجنود وحصول الخصومات بين الناس ، فهو ـ إذاً ـ حركة بشرية يجري عليها ما هو من طبع البشر .
إن الجهاد تتضح حقيقته بهذا الوصف : ( إذا جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر .. ) لكن : المتخرج من مدرسة الجهاد شخص آخر له صورة تختلف كثيراً عن الصورة التي تدب على الأرض وتسمى بشرا !! .
فالمجاهد بشر لا كالبشر .
ونحن حين نريد تغيير الشعوب لتصبح مجاهدة فإن مهمتنا ـ نحن المجاهدين ـ الأولى تدور في الجانب الفكري إبتداء لنصلح ما أفسدته العلمانية في بلا د المسلمين ، ثم نتبعه بتكوين السرايا الشعبية محدودة العدد ، وأفضّل أن لا تتجاوز السرية الثلاثة أفراد ، تعمل كل سرية وفق خطة واضحة المعالم ، مع الإعتناء والمحافظة على أمن السرية الذاتي من الاختراق ، ذلك هو الحل العملي الأمثل لمواجهة الهجمة الصليبية على العالم الإسلامي .
لقد حدد قادة الجهاد الهدف : وهو ضرب اليهود والنصارى ومصالحهم في العالم ، وهو الذي قام به بطلا الكويت : جاسم الهاجري ، وأنس الكندري ـ رحمهما الله تعالى ـ . يبقى بعد ذلك تكوين السريا .
إن ثمة مجالات كثيرة تحتاج العمل عليها :
فالعمل العسكري [ تدريب ، توريد ، خطط ].
العمل الإعلامي [ تحليل ، نشر أخبار ، نسخ أشرطة ] .
والعمل العلمي [ بحوث في مسائل معاصرة : حكم قتل الصليبيين في بلاد المسلمين مثلاً ، هل ينطبق عليهم حكم المستأمن ! ] .
إن على الشباب أن يبدأوا في العمل ويدعوا كثرة الكلام ، فلقد سجل التاريخ تخلف الذين يبحثون في مسائل علمية مفيدة في وقتٍ يحاصر فيه التتر بلاد المسلمين لأن هذه المسائل ليس هو وقتها ، فكيف سيسجل على الذين يتناطحون بالأوهام في وقت تتربص بهم الصليبية لتنقض عليهم .
[ في المقالات القادمة أحاول أن أفصل في تكوين السرايا : السرية الإعلامية ، السرية العلمية ، السرية العسكرية . ] .