| الحُبّ في الله هو مشاعر صادقة ينتج عنها آثار واضحة، ونتائج ملموسة، كالزيارة والبذل، والإيثار، والمسارعة لقضاء الحاجات، والمشاركة في الأفراح والأتراح، وذِكْرِ الأخ بالجميل، والذبّ عن عرضه في غيابه، وكتمان أسراره، والعفو عن زلاّته، والدعاء له في حياته وبعد مماته، والوفاء له، والإخلاص لعهده، وترك التّكلف معه.
الحُبّ في الله.. كلمات قليلة العدد، ثرّة المعاني.
الحُبّ في الله، من المعاني السامية العظيمة التي لا ينهض بدونها عمل قوي راسخ الأركان.
والأيام، بلا حبّ في الله، ضائعة.
وإذا ما تلاشى هذا الحُبّ من القلوب توقَّف المَدَد، وتعامل الناس بلا عواطف ولا مشاعر.
وأي معنى للحياة ولعلاقات المؤمنين، بعضهم ببعض، من غير حبّ في الله؟!
إن الجماعة من غير حبّ في الله مثل بناء مفكك اللبنات، ينهار عند أدنى هزّة، أما مع الحُبّ في الله فالبنيان مرصوص، لا تحرّكه العواصف ولا الأعاصير.
نعم، إن أقوى الروابط هي رابطة الحُبّ في الله، مصداق قوله r :
"أوسط عرى الإيمان: الحُبّ في الله، والبغض في الله" رواه أحمد.
وإنّ مشاعر الحُبّ في الله، والأخوّة فيه، تضيء ليل القلوب بنورها، وتطفئ نارها ببردها، فتنبض القلوب بأحاسيس عفّة صادقة، وخلجات طاهرة.
ولكن، ما الحُبّ في الله؟!
يأتي الجواب من مشكاة النّبوّة، فقد روى الشيخان عن أنس t أنه قال: قال رسول الله r : "ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وأن يحبّ المرء لا يحبه إلاّ الله، وأن يكره أن يعود في الكفر، بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يُقْذَف في النّار". متّفق عليه.
فهو إذاً الحُبّ الصافي الذي لا تلوّثه الأغراض الشّخصية، بل تحب المرء لأنه مؤمن مُقْبِل على الله، متمسّك بدينه... لا لقرابة بينك وبينه، ولا لمصلحة تجارية، ولا لتزجية الوقت معه، ولا لتفوقه في بطولة بعض الألعاب.. فمن أحب لهذه الأسباب أو شبهها لم ينل هذه المرتبة العظيمة، مرتبة المحبّين في الله.
وما أعظم ما رواه الإمام أبو داود عن سيّدنا عمر t قال: قال رسول الله r : " إن من عباد الله لأناساً ما همْ بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله". قالوا: يا رسول الله، فخبِّرْنا من هم؟ قال: هم قوم تحابُّوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها. فوالله، إنّ وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، ولا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس. وقرأ هذه الآية: } أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ { (يونس:62).
الحُبّ في الله من علامات الإيمان الصادق. كيف لا، وقد أضحت علاقة هذا الإنسان بغيره قائمة على أساس الإيمان بالله، وعلى مدى علاقة الناس بربهم؟!
وعلى الرغم من أن المؤمن يُحبّ المؤمنين جميعاً، وهم إخوانه دون ريب، فإنه كلما كان المرء أشدّ إقبالاً على ربّه سبحانه، وأكثر تمسّكاً بهذا الدين، وأعظم سعياً في خدمته، امتلأ قلبه بحبّه، وكان أقرب إلى نفسه وروحه.
والمتحابون في الله لم يحدث ذلك بينهم من فراغ، لقد تعارفت أرواحهم من عالم الذر إذ أن "الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" رواه البخاري ومسلم.
فالشوق الخالص والحُبّ الخالص والعواطف الجياشة بين أرواحهم تعود إلى تلك الجذور الراسخة البعيدة.
ثمار الحُبّ في الله
أول ثمار هذا الحُبّ السامي أن الله تباركت أسماؤه يُحبّ هذا العبد الذي أحبّ الآخرين من أجله، فقد روى أبو هريرة t عن النّبي r : أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى فأرصد الله تعالى على مَدْرَجَتِهِ مَلَكَاً فلما أتى عليه قال: أين تُريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية قال: هل لك عليه من نعمة تَرُبُّهَا عليه قال: لا، غير أني أحببته في الله. قال: فإني رسول الله إليك بأنّ الله قد أحبّك كما أحببته فيه. أخرجه مسلم.
[المدرجة: الطريق ـ ترُبّها: تقوم بها وتسعى في صلاحها].
ومن ثمار الحُبّ في الله تعالى: أنّ المحب يحظى بالظل يوم تدنو فيه الشمس من رؤوس الخلائق. ويذهب الناس في عرقهم حسب أعمالهم. ويكاد العطش يقتلهم. فأين يكون المتحابون في الله آنئذٍ ؟ والجواب فيما رواه أبو هريرة t عن سيدنا رسول الله r أنّه قال: "سبعة يُظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه"... ومنهم: "رجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه" متّفق عليه.
وفي حديث آخر عنه r : "أنّ الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟. اليوم أظلّهم في ظلّي يوم لا ظلّ إلاّ ظلّي". رواه مسلم.
وواضح أنّ من أحبّ الآخرين في الله كان هو الرابح: يربح محبّة الله سبحانه له. ويربح القرب من الله عزّ وجل. فقد ورد أنّه ما تحابّ اثنان في الله إلاّ كان أقربهما إلى الله تعالى أشدّهما حبّاً لصاحبه. فزيادة الحُبّ زيادة في القرب والدنو، وزيادة في الرفعة والعلو، حيث يكون المحبّون على منابر من نور يغبطهم بها الأنبياء والشهداء.
وهكذا فإنّ رسوخ الحُبّ في الله وَنُمُوَّهُ سبيل إلى زيادة الربح والرفعة والقرب. وأيّ ربح يعدل هذا الربح أو يُدانيه؟!.
ومن ثمار الحُبّ في الله أنّه راحة للقلب والفكر. والكره تعب للقلب والفكر، وأمارة على فساد الفطرة وسوء السريرة. ولن تجد مسلماً، يفهم حقيقة دينه ويعرف منزلة الحُبّ في الله وعظيم فضله، يرضى لنفسه لوثة الكره وفساده. ولا ريب أن الإنسان الذي لا يعرف كيف يُحبّ إخوانه، إنسان مريض يرزح تحت وطأة المشاعر الفاسدة، ويتعب قلبه وروحه بمشاعر الكره الرديئة.
ومن الثمار اليافعة للحبّ في الله أنّه يُعين على إشراق الروح وتألّقها، وعلى التحليق فوق المادة، ويمكّن صاحبه من تجاوز المحسوس، ويمدّه بقدرة على السمو فوق العاجل الفاني.
وكم أخذ الحُبّ في الله بيد أقوامٍ، وأخرجهم من وديان اليأس وفيافي العزلة، إلى رحبٍ فسيح. فكثيراً ما يجد المرء نفسه وكأن رياحاً عاتية تهبّ على قلبه فتحدث قلقاً واضطراباً وهمّاً وابتعاداً، فإذا ما لقي أخاً له في الله، وأفضى إليه بما في نفسه من مشاعر ومتاعب، عاد وكأن شيئاً لم يكن، فالمؤمنون المتحابون في الله بعضهم سندٌ لبعض.
والمؤمن يجد مرفأ في قلوب إخوانه الذين يُحبّهم في الله عزّ وجلّ، يرتاح عنده، ويحتمي به من العواصف الهوجاء، فتسكن نفسه وتزول بعد ذاك أوضار الدنيا وهموم الحياة، ويعود عضواً نافعاً منطلقاً، يأخذ دوره في حمل الأمانة والقيام بالواجب.
ومن الثمار العظيمة للحب في الله أنه يُحرك الهمم الفاترة، وينعش القلوب الذابلة المنطوية، فكم من قلوب مؤمنة منزوية كادت تُنْسى ويعيش أصحابها على هامش الحياة، تغيّر حالها عندما شاء الله أن تجد همسة من أخٍ محب لها في الله، ولمسة يد حانية، ونظرة عين صافية، وطراوة تحملها كلمات نديّة بسقيا الحُبّ. وإذ ذاك تفتّحت هذه القلوب كما تتفتّح الأزهار وتدفّقت العواطف كالأنهار وعادت إلى ميدان الدعوة أقوى ما تكون... وعاد صاحبها نافعاً منطلقاً يأخذه دوره في حمل الأمانة والقيام بالواجب.
ومن ثمار الحُبّ في الله أن المرء إذا أحبّ أخاه في الله كان معه يوم القيامة، وإن كان عمله لا يبلغ به تلك المنزلة.
فعن أبي موسى الأشعري t قيل للنّبي r : الرجل يحبّ القوم ولمّا يلحقْ بهم! قال: "المرء مع من أحبّ" رواه البخاري ومسلم.
وعن أنس t أن أعرابياً قال لرسول الله r : متى الساعة؟ قال r : "ما أعددتَ لها؟" قال: حبّ الله ورسوله. قال: "أنت مع من أحببت". متّفق عليه.
وقد ورد عن سيدنا عبد الله بن مسعود t أن الإنسان المسلم لو عبد ربّه بين الركن والمقام سنين كثيرة وكان يُحبّ البعيدين عن الله فإنّ الله تعالى سيحشره معهم يوم القيامة. وفي هذا ما فيه من التحذير والتخويف، أن تكون العلاقة والمحبة على غير الأسس الإيمانية الصافية.
إنّ الحُبّ في الله أشواق سامية وعواطف نبيلة جعلها الله عند المتحابين فيه، والمتزاورين فيه والمتجالسين فيه، حازوا بها محبّة الله كرماً منه سبحانه: "وَجبت محبّتي للمتحابّين فيّ والمتزاورين فيّ" من حديث صحيح رواه الإمام مالك.
والحُبّ في الله الذي هو أشواق وعواطف، هو أرزاق أيضاً، وليس الرزق هو الدرهم والدينار فحسب، بل إنّ الإيمان رزق، والتقوى رزق. وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد: "إنّ الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينّكم أرزاقكم. وإنّ الله عزّ وجلّ يُعطي الدنيا من يُحبّ ومن لا يُحبّ، ولا يُعطي الدين إلاّ لمن أحبّ، فمن أعطاه الدّين فقد أحبّه".
وإن العثور على قلب مؤمن مشرق بحبّ الله ورسوله، ويعمل لعزّة الإسلام، تباِدلُه حبّاً بحب، وإخلاصاً بإخلاص، يُشبه العثور على كنز لا يقدّر بثمن. ومن حُرِمَ محبّة إخوانه في الله فقد حُرِمَ خيراً كثيراً.
من أحبّ غيره فليُخبره بذلك:
وحرصاً على توثيق العرى وتمتين العلاقات فقد أوصى الرسول الكريم r من أحبّ أخاً في الله أن يُخبره بأنّه يُحبّه، فإنّ ذلك يقوي المحبة ويشيعها.
فعن أنس t أنّ رجلاً كان عند النّبي r فمرّ به رجل فقال: يا رسول الله إنّي لأحب هذا. فقال له النّبي r : "أأعْلَمْتَهُ" قال: لا. قال: "أعْلِمْهُ" فلحقه فقال له: إنّي أحبّك في الله فقال: أَحبّك اللهُ الذي أحببتني له. رواه أبو داود بإسناد صحيح.
علامات وثمرات:
ولابدّ قبل أن نختم الحديث عن الحُبّ في الله من تأكيد أنّ الحُبّ في الله ليس كلاماً فارغاً، بل هو مشاعر صادقة ينتج عنها آثار واضحة، ونتائج ملموسة، كالزيارة والبذل، والإيثار، والمسارعة لقضاء الحاجات، والمشاركة في الأفراح والأتراح، وذِكْرِ الأخ بالجميل، والذبّ عن عرضه في غيابه، وكتمان أسراره، والعفو عن زلاّته، والدعاء له في حياته وبعد مماته، والوفاء له، والإخلاص لعهده، وترك التّكلف معه.
وما أحرانا أن نضع نصب أعيننا قوله تعالى: } يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ { (المائدة:54).
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين |