لندن ـ القدس العربي
يبدو ان لقب مملكة الصمت الذي كان يطلق علي المملكة العربية السعودية في السابق بسبب انغلاقها، وسكون الحركة السياسية فيها، وفرض حظر شامل على المعلومات حول تطورات الأمور فيها، لم يعد دقيقاً في الوقت الحاضر، حيث بدأت البلاد تتخلى تدريجياً عن عزلتها الإعلامية والسياسية، وتدخل مرحلة من الجدل السياسي غير مسبوق، ينعكس بعضه على صفحات الصحف المحلية، وبعضه الآخر من خلال الساحات النشطة على شبكة الإنترنت.
ولعل أهم قضية ساخنة حالياً في المملكة هي تلك التي تتعلق بالصراع الدائر حاليا بين رجال الدين والأسرة الحاكمة. وهو صراع يهدد بإنهاء العقد التاريخي غير المكتوب الذي تقوم عليه مؤسسة الحكم في المملكة، أي سيف آل سعود والحركة الوهابية. وتساهم الضغوط الأمريكية المتصاعدة في الوقت الراهن علي الأسرة الحاكمة لتغيير المناهج الإسلامية، وإغلاق الجمعيات الخيرية، وفحص حساباتها، وكبح جماحها، في فسخ هذا التعاقد، وحدوث الطلاق النهائي بين المتعاقدين.
وظهر هذا الخلاف جليا أثناء اللقاء الذي عقده الأمير عبدالله بن عبد العزيز مع رجال الدين وطالبهم فيه بالبعد عن التطرف وتقدير ظرف المملكة الحالي، وعدم الإقدام علي أي خطوة من شأنها إحراج الأسرة الحاكمة، وبادر العديد من رجال الدين الحاضرين الذين تحدثوا في الجلسة إلى تأكيد ولائهم لاولي الأمر أي آل سعود، ولكن الشيخ عبد المحسن التركي، رئيس رابطة العالم الإسلامي ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية سابقا، فجر قنبلة في اللقاء نفسه، عندما وقف وقال إن أولى الأمر في المملكة هم آل سعود ورجال الدين، وان هناك شراكه بين الجانبين هي أساس الحكم. أذيع هذا الكلام عبر شاشة التلفزة السعودية، وان كان أعيد حذفه أثناء إعادة وقائع اللقاء.
الأمير تركي الفيصل رئيس جهاز الاستخبارات السعودي السابق رد علي الشيخ التركي في مقال نشره في الزميلة الشرق الأوسط ، استند فيه إلى العديد من الأحكام الشرعية، أكد فيه أن أولى الأمر هم آل سعود فقط، وان رجال الدين هم مجرد مستشارين فقط. واستعرت حدة الجدل مرة أخرى عندما نزل إلى الحلبة الشيخ صالح اللحيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى وساند وجهة نظر الشيخ التركي، وانتقد وجود القوات الأمريكية.
ويشعر رجال الدين بقلق شديد من تزايد تدخل عملاء مكتب المباحث الفيدرالي الأمريكي بشكل شبه علني في التحقيقات الجارية حاليا في ملفات المؤسسات الدينية وحسابات الجمعيات الخيرية، ويعتقدون ان إقدام مؤسسة النقد المركزي السعودي (ساما) علي إغلاق 150 حسابا مصرفيا لهذه المؤسسات والجمعيات هو ثمرة هذه التحقيقات الامريكية، علي اعتبار ان هذه الجمعيات والمؤسسات لها علاقة بالإرهاب.
وتدور تكهنات في مدينة جدة ود يوانياتها الخاصة عن استدعاء عملاء مكتب التحقيقات الأمريكي للشيخ عبد الله نصيف رئيس رابطة العالم الإسلامي السابق الي الرياض والتحقيق معه حول اموال حولتها الرابطة الي جماعات وجمعيات اسلامية في داخل المملكة وخارجها، بعضها متهم بالارهاب. وقد مكث الدكتور نصيف مدة اسبوع في باريس.
ويعتقد بعض المراقبين ان تسريب الاسرة الحاكمة لانباء عن مطالبتها بخروج القوات الامريكية من البلاد هو محاولة من جانبها لتخفيف الضغوط الداخلية القادمة اساسا من رجال الدين. ويوجد في المملكة العربية السعودية 4500 جندي امريكي والف جندي بريطاني يتمركزون في قاعدة الخرج وسط الصحراء علي بعد 100 كيلومتر من الرياض. وكان اول من طالب بخروج هذه القوات علنا هو الامير طلال بن عبد العزيز احد الامراء الاحرار والمقرب من الامير عبد الله ولي العهد.
واكدت مصادر سعودية واسعة الاطلاع ان العديد من ائمة المساجد في الرياض وبريدة وجدة ومكة استقالوا من مناصبهم احتجاجا علي تدخلات الحكومة في كيفية القاء خطبهم والمسائل التي تتناولها، وتركيزها علي الامور الاسلامية الثانوية والبعد عن الحديث عن قضايا العالم الاسلامي. واحتجاجا علي الوجود الامريكي العسكري في البلاد. ولاحظ المراقبون ان جنازة الشيخ حمود بن عقلة الشعيبي اول من اصدر فتوي بتشريع عملية الهجوم علي مبني التجارة العالمي في نيويورك وبارك منفذيها باعتبارهم مجاهدين، وادان انحياز الاسرة الحاكمة الي المشركين الامريكان في مواجهة المسلمين في افغانستان، لاحظوا ان عشرات الاَلاف شاركوا في هذه الجنازة التي كانت الاكبر في تاريخ المملكة. مثلما لاحظوا ايضا ان الآلاف من المواطنين اتصلوا باهالي افراد تنظيم القاعدة المعتقلين في باكستان وقاعدة كوبا الامريكية للتضامن معهم. وشكلت الحكومة السعودية لجنة لتغيير المناهج وحذف كل المواد التي تصعد العداء للولايات المتحدة والغرب، وتقليص المواد الاسلامية والتركيز علي السلام والحوار بين الاديان.
ويعتقد العديد من المراقبين ان الاسرة الحاكمة في السعودية غير جادة في طلبها اخراج القوات الامريكية، لانها رغم انفاقها حوالي 35 مليار دولار لشراء اسلحة امريكية في السنوات العشر الماضية ما زالت عاجزة عن حماية نفسها في مواجهة التهديدات العراقية والايرانية.
وقالت مجلة الايكونومست البريطانية الشهيرة، ان مطالبة بعض الامراء السعوديين باخراج القوات الامريكية من بلادهم هو فقط للاستهلاك المحلي وامتصاص النقمة الشعبية. وخلصت المجلة الي القول بأن الشعب السعودي بات يشكل تهديدا اكبر علي الاسرة الحاكمة من الرئيس العراقي صدام حسين.
وكان الشيخ اسامة بن لادن المعارض السعودي المعروف هو أول من طالب باخراج القوات الامريكية من الجزيرة العربية باعتبارها قوات احتلال تدنس الاماكن المقدسة. وتتهم السلطات الامريكية الشيخ بن لادن بالوقوف خلف الهجوم الذي استهدف هذه القوات في مدينة الخبر وادي الي مقتل 19 امريكيا في انفجار شاحنة ملغومة اقتحمت اماكن تجمعهم. ويتمتع الشيخ بن لادن بشعبية ضخمة داخل المملكة العربية السعودية، وخاصة في اوساط الشباب ورجال الدين المتشددين، لانه تحدي الولايات المتحدة وطالب برحيل قواتها