مما يثير الإعجاب أن العرب قد انتبهوا إلى أهمية التدوين في حياتهم الثقافية، فكانوا يسجِّلون الحكايات العابرة والمُلَح السريعة، من هذه المُلَح أن معاوية بن أبي سفيان قال لرجل على مائدته: خُذ الشَّعرة من لُقمَتك، فقال: وإنك تراعيني من يرى الشعرة في لُقمَتي؟ لا أكلت طعاماً لك أبداً، ويروى عن الحجَّاج أنه قال لإعرابي يوماً على سماطِهِ: إرفق بنفسك، فقال: وأنت يا حجَّاج أغْضِض من طرْفك، وشخصية أشعب والطرائف التي تُروى عن حبِّه للطعام معروفة في حديث مجالس الأمراء والحكام،
إن ما تقدَّم هو اختصار شديد لما يجب أن يُقال عن الطعام وثقافة الطعام في الحضارة العربية ، الطعام في الدول العربية له خصوصية ترتبط بخصوصية البلد، أولاً وقبل كل شيء، فالثقافة والعادات والدين تلعب دوراً كبيراً في التعامل مع الطعام وتوفيره وأساليبه ووقت تقديمه، فمادة الكرم العربي هي الطعام في المرتبة الأولى، ولذلك فلا يجوع الناس فيها، فضلاًعن أن الطعام يتوفَّر في المساجد والجوامع، وخاصة في المناسبات الدينية، كشهر رمضان والمواليد ومواسم الحج وغيرها،
يبغي التفريق بين الطعام والغذاء، فالغذاء هو المادة الأساسية التي يحتاجها الكائن الحي لنموِّه، ولإصلاح التلف، ولتوفير الطاقة الضرورية للأعمال الحيوية، وهو ما نحصل عليه من الطعام، سواء عن طريق جمعه أو تحضيره، مروراً بالزراعة وتربية الحيوانات والصناعات الغذائية، وانتهاء بما تعدُّه أفضل المطابخ في العالم، وإذا سلَّمنا بأن كل ما يؤكل طعام -كما تقول القواميس- فليس كل ما يؤكل غذاء، لقد وصلت البحوث الغذائية إلى مرحلة متقدِّمة فتحدَّدت المادة الغذائية ونسبة وجودها في كلٍّ من أنواع الطعام تقريباً.
تقول دائرة المعارف البريطانية إن الطعام مادة، عناصرها الأساسية البروتينات والكاربوهيدرات والدهون. وتحدِّد ثلاثة قطاعات رئيسية لتناول موضوع الطعام، فعمليات امتصاص الجسم للطعام تتناولها كتب التغذية، وأساليب الطبخ والاستهلاك والحفظ تتولاها الصناعات الغذائية، وهناك قطاع خاص بكيفية تَذَوُّق الطعام وتحضيره وخدمته، أما دائرة المعارف الأميركية فتعطي نبذة عن تأريخ الطعام، وتشير إلى صيد الحيوانات البرِّية والأسماك وجمع الجذور والأثمار، أما عن تأريخ إعداد الطعام، فتذكر أن هناك محض تقديرات بأن زراعة الحبوب بدأت قبل عشرة آلاف سنة، وإن تدجين الأغنام بدأ قبل تسعة آلاف سنة،،إلخ